الأخبار المغربية
المغرب أولا – في زحمة السرديات المتنازعة حول التاريخ الإسلامي، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بالمسافة الفاصلة بين الادعاء والممارسة، بين الشعارات المرفوعة و الوقائع الماثلة في صفحات التاريخ، ذلك أن محبة آل البيت، بما تحمله من قيمة دينية وروحية عالية، تحولت في بعض الخطابات إلى عنوان عريض يستثمر أكثر مما يجسد، ويستدعى أكثر مما يلتزم بمقتضياته.
إن التأمل الهادئ في مسار الأحداث يكشف أن الاختبار الحقيقي لأي انتماء ليس في كثافة الخطاب، بل في صدق الموقف عند لحظات الحسم، لأن التاريخ لا يقرأ بالعواطف وحدها، بل بميزان الفعل و النتيجة، حيث تتعرى الادعاءات أمام امتحان الواقع، والنتيجة مفارقة صارخة عندما يتحول من يفترض فيهم النصرة إلى عنصر خذلان، ومن ينتظر منهم الوفاء إلى عامل اضطراب و تفكك.
ليست القضية هنا إعادة إنتاج الخصومات، ولا تأجيج الانقسامات، بل محاولة مساءلة الوعي الذي يصوغ تصوراتنا عن الماضي، ويؤثر في قراءتنا للحاضر، التاريخ حين ينتقى منه ما يخدم فكرة مسبقة، يفقد وظيفته كمرآة للحقيقة، و يتحول إلى أداة تبرير، أما حين يقرأ في كليته، بتعقيداته و تناقضاته، فإنه يمنحنا قدرة أعمق على الفهم، ويضعنا أمام مسؤولية المراجعة.
فجوهر الإشكال يكمن في اختزال القيم في الانتماءات، و في تحويل الرموز إلى أدوات صراع بدل أن تكون جسورا للوحدة، فمحبة آل البيت، في معناها الأصيل، ليست شعارا يرفع، بل سلوكا يترجم، وأخلاقا تعاش، وموقفا ينحاز إلى الحق حيثما كان، ومن هنا، فإن كل انحراف عن هذا المعنى، مهما تزين بالخطاب، يظل فاقدا لجوهره.
لقد آن الأوان لإعادة طرح الأسئلة الكبرى بعيدا عن ضجيج الاصطفافات، ما معنى الولاء؟ وما معيار الصدق في الانتماء؟ وكيف يمكن استعادة البعد الأخلاقي للدين بعيدا عن التوظيف السياسي والتاريخي؟ تلك أسئلة لا تبحث عن إدانة بقدر ما تسعى إلى بناء وعي جديد، يضع الحقيقة فوق الانتماء، والعدل فوق الهوى.
إن الأمم لا تنهض بتقديس سردياتها، بل بامتلاك الشجاعة لمراجعتها، ولا تتماسك بتكريس انقساماتها، بل بإحياء القيم الجامعة التي شكلت في يوم من الأيام سر قوتها، و بين هذا وذاك، يبقى الرهان معقودا على وعي قادر على التمييز بين الدين كما هو، والدين كما يراد له أن يكون.
السلفية هي الحل