عبدالمجيد مصلح
في زمن تتحول فيه الهوية إلى تهمة، وتختزل فيه الذات إلى بطاقة تعريف، يجد الإنسان نفسه في مأزق وجودي “اختر انتماء واحدا واكفر بباقي انتماءاتك” هذه هي معضلة عصرنا، شعوب تظهر وأخرى تختفي، أديان تعلو و أخرى تخبو، و وسط هذا الضجيج يصرخ السؤال الأزلي، من أنا؟.
بعد قراءتي لكتاب “الهويات القاتلة” تأكدت أن الكارثة تبدأ حين نؤمن أن الهوية إرث نتلقاه دون وعي، أو سجن نحبس فيه باسم الدين أو العرق أو الجنسية، والحقيقة أن الهوية خيار واع، وليست قدرا مفروضا، أنا عربي، أمازيغي، مسلم، مغربي، و أمريكي، لا أرى في هذا تعددا متناقضا، بل أراه ثراء، لغتي هي عربيتي، و أصولي مغربية، وعقيدتي إسلامي، ووطني أمريكا، و انتمائي الأكبر هو لإنسانيتي.
المشكلة ليست في التعدد، بل في من يريدون سجننا في قفص واحد، يطلبون منا أن نكفر بعروبتنا لنكون أمريكيين “صالحين” أو أن نتبرأ من إسلامنا لنكون “منفتحين” أو أن نخجل من أمازيغيتنا لنكون “مواطنين عاديين” هذا منطق الإلغاء، وهو أخطر من التعصب نفسه، الهوية السليمة هي التي تجمع ولا تفرق، هي التي تأخذ الأفضل من كل تجربة دون أن تنسلخ من جذورها، الانفتاح على الآخر ليس خيانة، وتعلم لغة الآخر ليس عبودية، العبودية الحقيقية هي أن تخجل من اسمك، وأن تصنع لنفسك هوية مستعارة لترضي جلادك.
لقد رأينا مصير الشعوب التي آمنت بمنطق “قفص واحد” شعوب هربت من سجون الكهنوت في عصور الظلام، فوقعت في سجون العلمانية المتطرفة التي تريد إلغاء الدين من المعادلة، والنتيجة واحدة، “إنسان ضائع بلا بوصلة، بلا جذور، بلا مستقبل” لن يبنى عالم سليم إلا إذا آمنا بقاعدة بسيطة كلما احترمنا جذورنا، و كلما انفتحنا على غيرنا، اقتربنا من الإنسان الذي نريد أن نكون، الهوية ليست سجنا نحتمي به من الآخر، بل جسرا نعبر به إليه.
تصبحون على تغيير