عندما يصبح صوت القرآن تجارة بالأجرة يتحمل رئيس المجلس العلمي الجهوي وقسم الاستعلامات العامة مسؤولية الصمت؟

يتلو "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ" و الدموع في عيون الناس، ثم يترك المسجد ويذهب يصلي في عرس أو عقيقة، بصوت يعمر الجيوب لا المساجد، وبآيات الله يشتري الدنيا ويبيع الآخرة.

قال تعالى:”إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ”سورة التوبة (18)

الأخبار المغربية

الدارالبيضاء – في كل يوم جمعة، يقف الإمام فوق المنبر مذكرا الناس بآيات الوعيد في حق من يجعل الدين وسيلة للدنيا، وبالأحاديث التي تحث على الإخلاص في العبادة وخدمة بيوت الله، يخشع المصلون، تمتلئ العيون بالدموع، وترتفع الأكف بالدعاء، لكن بعد ساعات قليلة فقط، قد يكون الصوت نفسه قد غادر المسجد متوجها إلى قاعة أفراح أو منزل لإحياء عقيقة أو مجلس عزاء أو افتتاح مشروع تجاري، مقابل مبلغ مالي تم الاتفاق عليه مسبقا، هنا لا يعود السؤال متعلقا بجمال الصوت أو حسن التلاوة، بل بطبيعة الوظيفة الدينية وحدود استغلالها، وبمن يراقب هذه الممارسات إن كانت تتم على حساب الواجب الأصلي للإمام، والتحقيق في هذه الظاهرة لا ينطلق من التشكيك في نيات الأئمة ولا من الطعن في كل من يقرأ القرآن، وإنما من وقائع تتكرر وتستحق التدقيق. فالإمام الراتب يتقاضى أجرا من المال العام لأداء مهمة محددة داخل مسجد معين، تتمثل في إمامة المصلين و تأطيرهم والالتزام ببرنامج ديني يخضع لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لذلك فإن أي نشاط قد يؤثر على أداء هذه المهمة أو يجعلها في المرتبة الثانية يطرح أسئلة مشروعة حول مدى احترام الالتزامات المهنية والأخلاقية.

في العاصمة الاقتصادية، يتحدث مواطنون عن غياب بعض الأئمة عن بعض الصلوات أو تكليف غيرهم بالإمامة بشكل متكرر، في الوقت الذي يحيون فيه مناسبات خاصة خارج المسجد، وإذا كانت هذه الوقائع صحيحة، فإنها تستوجب التحقق منها، لأنها لا تمس شخص الإمام وحده، بل تمس الثقة في المؤسسة الدينية التي يفترض أن تكون نموذجا في الانضباط والالتزام.

الإشكال لا يكمن في قراءة القرآن، فالقرآن يتلى في كل مكان مشروع، لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح التلاوة نشاطا مدفوع الأجر يطغى على الوظيفة الأصلية، أو عندما يتحول الإمام إلى اسم مطلوب في سوق المناسبات أكثر من حضوره في المسجد الذي عين لخدمة رواده، هل ما زالت الإمامة رسالة، أم أنها بالنسبة إلى البعض أصبحت بابا لمداخيل إضافية تتوسع عاما بعد عام؟

الأخطر أن هذه الممارسات، إن ثبتت، قد تخلق اقتصادا موازيا داخل الحقل الديني، حيث تتحدد قيمة القارئ بشهرته و عدد المناسبات التي يحييها، و تتحول الأصوات الحسنة إلى وسيلة للتنافس على الحجوزات، بينما يبقى المسجد، الذي من أجله منحت صفة الإمام أصلا، في المرتبة الثانية، والقوانين المنظمة لعمل القيمين الدينيين ومواثيقهم الأخلاقية وضعت لحماية قدسية المنبر وضمان انتظام العبادة داخل المساجد، وإذا كانت هناك تجاوزات، فمن الطبيعي أن يطرح الرأي العام سؤالا حول آليات المراقبة و المحاسبة، ومدى تفعيلها على أرض الواقع، كما يثار سؤال آخر لا يقل أهمية، أين دور الجهات المختصة في تتبع مدى التزام القيمين الدينيين بمهامهم؟ وهل تتم مراقبة حالات الغياب والانشغال بأنشطة خاصة إذا أثرت على أداء الواجبات داخل المساجد؟

إن إثارة هذه الأسئلة لا تستهدف الإساءة إلى المؤسسة الدينية، بل الدفاع عنها، لأن المؤسسات تزداد قوة عندما تخضع للمساءلة والرقابة، لا عندما تصبح بعض الملفات من المحرمات، كما أن حماية صورة الإمام الملتزم تقتضي أيضا مواجهة أي ممارسات فردية قد تسيء إلى آلاف الأئمة الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص.

يا مسؤولين، لم يعد المطلوب تبريرات أو انطباعات، بل معطيات دقيقة وتحقيقات ميدانية وإجابات رسمية، هل تخضع هذه الأنشطة لترخيص؟ وهل تتم خارج أوقات الواجب الوظيفي؟ وهل تؤثر على انتظام الإمامة داخل المساجد؟ ومن يراقب ذلك؟ فحين يتعلق الأمر بقدسية القرآن ورسالة المنبر والمال العام، فإن الصمت لا يخدم أحدا، والشفافية وحدها هي الكفيلة بحماية الدين من كل ما قد يسيء إلى صورته أو يحوله، في نظر البعض، إلى نشاط تحدد قيمته بالأجرة والساعة.

عاش الملك عاش عاش عاش

 

قد يعجبك ايضا
Loading...