الأخبار المغربية
أناسي – لم يكن الحديث النبوي الشريف “أكثر منافقي أمتي قراؤها” مجرد موعظة عابرة، بل تحذيرا مبكرا من ظاهرة تتكرر عبر العصور، أن يتحول القرآن من رسالة هداية إلى وسيلة لتحقيق النفوذ أو المكاسب الدنيوية، في زمن تتسع فيه المنصات الرقمية، و تتداخل فيه الدعوة مع الإعلام، وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية و السياسية، يعود هذا الحديث ليطرح أسئلة شائكة تستحق البحث، لا الاتهام.
كيف يمكن لمن يحفظ القرآن و يتلوه أن يوصف بالنفاق؟يؤكد العلماء أن المقصود ليس جميع القراء، وإنما من جعل القرآن وسيلة لا غاية، وأظهر التدين طلبا للجاه أو المال أو القرب من أصحاب السلطة، و هو ما يعرف بالنفاق العملي، لا النفاق الاعتقادي الذي يخرج من الإسلام، سوق دينية بملايين الدولارات لم تعد التلاوة و الدروس الدينية مقتصرة على المساجد، بل أصبحت جزءا من صناعة إعلامية واقتصادية واسعة.
منصات رقمية تحقق ملايين المشاهدات، حفلات مدفوعة، إعلانات تجارية، رعايات، و قنوات تحقق عوائد مالية كبيرة، وفي هذا الواقع، يبرز سؤال مشروع، هل بقيت الرسالة هي الأساس، أم أصبحت الشعبية و المؤشرات الرقمية هي المعيار؟ المشكلة لاتكمن في الكسب المشروع، وإنما عندما يصبح المحتوى الديني خاضعا لحسابات السوق، أو عندما يخفى الحق حفاظا على المصالح.
فتكشف تجارب عديدة عبر التاريخ أن بعض أصحاب الخطاب الديني ارتبطوا بالسلطة السياسية أو الاقتصادية، فمنهم من حافظ على استقلاله، ومنهم من استخدم مكانته الدينية لتبرير قرارات أو ممارسات أو للحصول على امتيازات، وهنا تتجلى خطورة الحديث النبوي؛ و المجتمع يمنح القارئ ثقة كبيرة، وأي انحراف في استخدام هذه الثقة قد تكون آثاره واسعة.
اليوم، لم يعد نجاحها يقاس بعمق العلم فقط، بل بعدد المتابعين، ونسب المشاهدة، والعقود الإعلانية، هذا الواقع قد يدفع بعض صناع المحتوى الديني إلى تقديم ما يجذب الجمهور بدلا من تقديم ما يحتاج إليه، أو تجنب القضايا الحساسة خشية خسارة الشعبية أو الداعمين، إنها معضلة تستحق النقاش، لأنها تمس صدقية الخطاب الديني نفسه.
يرى عدد من أهل العلم أن الحديث دعوة دائمة لمراجعة النية والإخلاص، وليس ذريعة للطعن في حملة القرآن، فالقرآن رفع شأن المخلصين من أهله، و حذر في الوقت نفسه من الرياء واستغلال الدين لمكاسب الدنيا، ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية على من يتصدر لتعليم القرآن أو الدعوة تكون أعظم من غيره، ولا يقتصر الأمر على الدعاة والقراء، فالجمهور يتحمل جزءا من المسؤولية عندما يمنح الثقة المطلقة للأشخاص بناء على حسن التلاوة أو الشهرة، دون النظر إلى الأمانة والصدق و الاستقامة، لأن الإسلام لم يجعل العصمة لأحد بعد الأنبياء، ولا قدس الأشخاص مهما بلغت مكانتهم.
تصبحون على تغيير