الأخبار المغربية
الدارالبيضاء – لم أكن أعلم أن أكثر الملفات غموضا في المحكمة الابتدائية الزجرية لم تكن محفوظة داخل الخزائن الحديدية ولا بين رفوف الأرشيف المكدس بل كانت تمشي على قدمين تتنقل بين الممرات وتختبئ في نظرات الناس قبل أن تختبئ في الأدراج بتراب عمالة مقاطعات عين السبع لم تكن هذه المنطقة كبيرة بما يكفي لتخفي أسرارها ولا صغيرة بما يكفي لتقال فيها كل الحقيقة، بسهولة كانت المحكمة الزجرية تبدو من الخارج كأي بناء رسمي جدران ثقيلة بوابات حديدية رجال و نساء يدخلون بأحلام مختلفة و يخرجون بثقل أكبر مما دخلوا به كنت أحد أولئك الذين دخلوا يحملون سؤالا بسيطا في ظاهره لكنه أخذ يتحول شيئا فشيئا إلى عقدة لا تشبه أي عقدة أخرى أين اختفت شكاياتي، في البداية ظننت أن الأمر لا يعدو كونه تأخيرا إداريا أو ورقة ضاعت بين الأوراق أو إجراء يحتاج إلى وقت أطول مما توقعت لكن الوقت بدل أن يجيبني بدأ يراكم فوق السؤال طبقات من الحيرة وكأن كل يوم يمر كان يضيف طبقة جديدة من الغموض بدل أن يزيله، كنت أجلس في بهو المحكمة ساعات طويلة أراقب حركة الناس كأنني أبحث عن علامة لا أعرف شكلها موظفون يعبرون بسرعة متقاضون يتهامسون ووجوه متعبة تنتظر دورها في طابور لا يبدو أن له نهاية واضحة ومع كل هذا كنت أشعر أنني وحدي من يحمل سؤالا بلا جواب.
في يوم الأربعاء 01 يوليوز 2026 بينما كنت غارقا في هذا الانتظار الثقيل ظهر “عميد البهو” لم يكن دخوله لافتا في البداية لكنه كان من النوع الذي يفرض حضوره دون ضجيج متوسط القامة يحمل في عينيه مزيجا غريبا من الثقة و القلق وكأنه يعرف أكثر مما يقول ويقول أقل مما يعرف وقف غير بعيد عني ثم التفت فجأة كأنما كان ينتظر اللحظة المناسبة وقال بصوت خافت أراك تنتظر يبدو أنك لا تعرف كيف تسير الأمور هنا، لم أجب، في هذه الأماكن تتعلم أن الصمت أحيانا أذكى من الكلام، ابتسم ابتسامة خفيفة ثم بدأ حديثه كمن يفتح بابا كان مفتوحا أصلا في ذهنه لم يسألني عن قضيتي بل بدأ مباشرة في رواية سلسلة من الأحداث التي بدت أكبر من المكان نفسه تحدث عن مسؤولين وعن نفوذ لا يظهر في العلن وعن علاقات تمتد من مكتب إلى آخر وعن محكمة مكناس البعيدة قال إنها ما تزال تلقي بظلها على كل ما يحدث في المحكمة الابتدائية الزجرية، رغم أن الزمن بحسبه كان قد تجاوزها منذ سنوات، كان يقول إن بعض الخيوط لا تنقطع بمغادرة أصحابها وإن هناك من يغادر المكان جسدا لكنه يظل حاضرا بطريقة لا يفهمها إلا من يعرف كيف تدار الأمور فعلا، ثم أضاف بنبرة أقرب إلى اليقين منه إلى الظن أن نائبا لوكيل الملك هو سبب كثير من التعقيدات التي يعيشها الناس وأن آخرين يتحركون في الظل بطريقة تجعل الملفات تتأخر أو تدفن أو تعاد صياغتها دون أن يلاحظ أحد والمفارقة أن “عميد البهو” لم يكن يهمس فقط للمتقاضين بل كان يتكلم مع الموظفين ونواب وكيل الملك في نفس البهو و الكاميرات تسجل كل صغيرة و كبيرة كأن لا أحد يخشى شيئا وفي وسط كل ذلك كان هناك استثناء وحيد في حديثه، رجل آخر وصفه بأنه نادر في هذا المكان وأنه يمثل شيئا مختلفا وسط كل هذا التشابك وكأن وجوده في نظره يشبه نقطة ضوء صغيرة في غرفة مزدحمة بالظلال كنت أستمع إليه لا لأنني أصدقه بل لأنني كنت أبحث عن معنى واحد وسط هذا السيل من الكلام لكنه لم يكن يقدم معاني بقدر ما كان يقدم شبكة كاملة من التفسيرات كل تفسير فيها يقود إلى تفسير آخر دون أن يصل في النهاية إلى شيء يمكن الإمساك به ثم فجأة عاد بي إلى سؤالي الأول دون أن يدرك،
قال لي وكأنه يقرأ ما في داخلي المشكلة ليست في ما تسمعه هنا المشكلة في ما يضيع قبل أن يصل إليك أصلا توقفت عند كلماته شعرت كأنها لامست شيئا حقيقيا في داخلي لا علاقة له بكل تلك الروايات فأنا لم أكن مهتما بمن يحكم من خلف الستار ولا بمن يختلف مع من ولا بتلك الشبكة التي ينسجها في حديثه، كنت فقط أريد جوابا بسيطا واضحا ملموسا أين ذهبت شكاياتي.
شكاية دخلت مثل غيرها من الشكايات ورأيتها تسلم و أخبرت أنها ستأخذ طريقها الطبيعي ثم اختفت لا رد لا أثر لا مسار واضح وكأنها لم تكن موجودة أصلا كلما حاولت أن أقترب من الإجابة كنت أجد نفسي أمام أبواب تفتح ثم تغلق دون تفسير كاف أحدهم يقول لي، عد غدا وآخر يقول الملف في طور المعالجة وثالث لا يملك جوابا أصلا وفي كل مرة كنت أخرج وأنا أشعر أن السؤال لا يزال كما هو لكن ثقله يزداد، “عميد البهو” كان يعود إلي في كل مرة كأنه جزء من هذا المشهد الذي لا يغادره أحد بسهولة كان يكرر حكاياته يضيف تفاصيل جديدة يغير أسماء يعيد ترتيب الأحداث لكن الجوهر يبقى واحدا هناك دائما من يتحكم في الخيوط و هناك دائما من يدفع الثمن دون أن يعرف لماذا ومع مرور الأيام بدأت أشعر أن هناك عالمين داخل المحكمة نفسها عالم رسمي واضح تحكمه القوانين والإجراءات وعالم آخر غير مكتوب يتحرك فيه الكلام أكثر مما تتحرك فيه الملفات والدليل على ذلك أن ما بين الساعة الثانية بعد الزوال والثالثة و النصف تكون مكاتب نواب وكيل الملك خاوية على عروشها لأنهم يجتمعون بإحدى المقاهي في محيط المحكمة الابتدائية الزجرية وأنا كنت عالقا بين العالمين لا أنتمي إلى هذا بالكامل ولا إلى ذاك وفي كل مرة كنت أحاول أن أستعيد شكاية واحدة ضائعة كان “عميد البهو” يعيدني إلى عشر شكايات أخرى في قصصه و كأن الضياع الحقيقي ليس في الورق بل في المعنى نفسه، لكن رغم كل ذلك بقي سؤالي الوحيد يقاوم كل هذا الضجيج إذا كانت كل هذه الروايات صحيحة أو غير صحيحة فلماذا لا أجد أثرا لما قدمته أنا لماذا يبدو ملفي كأنه خرج من الباب الذي لا يعود منه شيء.
في لحظات كثيرة كنت أشعر أن المشكلة ليست فقط في التأخير بل في هذا الغموض الذي يلتف حول البديهيات لأن أبسط الأشياء في العالم حين تحرم من تفسير واضح تتحول إلى أسئلة أكبر من حجمها ومع ذلك لم يتغير شيء “عميد البهو” مازال يصول ويجول بين أروقة ومكاتب المحكمة الزجرية يحكي كما يشاء وكأن المحكمة بالنسبة له ليست مؤسسة بل مسرح طويل بلا نهاية والسيد وكيل الملك عليه اليوم أن يقوم بجولات في مكاتب نوابه ليقف على تسيب خطير هو سبب تعطيل مسار الشكايات والقضايا وفقدان ثقة المواطن وأنا ما زلت أنتظر لا الحكايات بل الجواب.
تصبحون على تغيير