ضغوط العمل والحكرة داخل الأمن…صرخة موظفي الشرطة تبحث عن أذن صاغية قبل أن تتحول إلى مأساة

الأخبار المغربية

الرباط – لم تعد واقعة محاولة انتحار حارس أمن بالرباط يوم الخميس 28 ماي 2026 مجرد خبر عابر في صفحة الحوادث، بالنسبة لآلاف الموظفين داخل سلك الشرطة، هي جرس إنذار يتكرر، وصرخة مكتومة عن ضغوط نفسية ومهنية تدفع بعضهم إلى حافة الانهيار.

فتحت ولاية أمن الرباط بحثا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة لتحديد ظروف الواقعة وخلفياتها، وأفادت المعطيات الأولية بوجود مشاكل أسرية كدافع محتمل، لكن مصادر مطلعة داخل الجهاز تحدثت لـ”الأخبار المغربية” عن وجه آخر للقصة، لا يظهر في محاضر الضابطة القضائية، ضغط العمل المتواصل، غياب قنوات الإنصات الداخلي، وشعور بالحكرة والتعسف لدى فئة من العناصر الميدانية.

يتفق عدد من رجال الأمن، ممن تواصل معهم الموقع بشرط عدم ذكر أسمائهم، على أن المشكل لا يكمن في المهنة نفسها بقدر ما يكمن في طريقة تدبير الموارد البشرية “نشتغل 12 ساعة وأكثر، بدون تعويض عن الساعات الإضافية، وإذا اعترضت يقال لك، هذه تعليمات” يقول أحد المفتشين و يضيف آخر “حتى الرأي المهني لا تستطيع إبداؤه، أنت ملزم بالتنفيذ، وإذا ناقشت يتم تهميشك أو نقلك إلى مكان بعيد، وفي حالات يصل الأمر إلى مساطر تأديبية قاسية”.

الأخطر، وفق ذات المصادر، هو ما يحدث لمن يختار طريق الشكاية، عدد من الموظفين لجؤوا إلى إرسال رسائل مجهولة إلى المديرية العامة للأمن الوطني يشرحون فيها ما يعتبرونه تجاوزات في حقهم، و تؤكد مصادرنا أن بعض هذه الرسائل فتحت بشأنها تحقيقات داخلية، وتم اتخاذ قرارات إدارية، لكن بعض المشتكين وجدوا أنفسهم في مواجهة مساطر تأديبية انتهت بالتوقيف أو الإحالة على التقاعد المسبق، وفي حالات نادرة بالإحالة على القضاء.

ما يطالب به موظفون داخل السلك اليوم بسيط، قناة تواصل آمنة، تحفظ كرامة الموظف وتسمح له بطرح مشاكله المهنية والنفسية دون خوف من الانتقام، وهو ما يذكر بما عالجه مسلسل “K1” الذي عرضته القناة الثانية، والذي أظهر حجم الضغط النفسي الذي يعيشه رجل الأمن، و أهمية وجود وحدة للدعم النفسي والاستماع الداخلي داخل الجهاز، الفكرة التي طرحها العمل الدرامي ليست خيالا، بل مطلب مهني تطبقه أجهزة أمنية في دول أخرى، معالجة المشكل داخليا، بسرية، وقبل أن يتحول إلى قضية رأي عام أو مأساة شخصية، “نحن لا نريد فضح مؤسستنا، نحن جزء منها ونفتخر بذلك، لكن الدفاع عن سمعة الجهاز يبدأ بإنصاف رجاله” يقول ضابط شرطة قضائية “إذا عولجت المشاكل في مهدها، لن نحتاج إلى كتابتها في الجرائد”.

كموقع إلكتروني، نؤكد أن هدفنا ليس التشهير أو إضعاف المؤسسة الأمنية التي نقدر دورها في حفظ أمن الوطن و استقراره، على العكس، نعتبر أن قوة الأمن من قوة عناصره، وأن حماية رجل الشرطة نفسيا واجتماعيا هي حماية للمواطن نفسه، وفي هذا السياق، نترحم وندعو بالمغفرة والرحمة لكل رجال الأمن الذين فقدوا حياتهم في السنوات الماضية، ضحايا صمت لم يجد من يكسره، وندعو المديرية العامة للأمن الوطني، برئاسة السيد عبداللطيف حموشي، ومن ينوب عنه، إلى فتح نقاش جاد حول آليات الإنصات والدعم النفسي، وتفعيل مبدأ “الحكامة الأمنية” الذي طالما دعت إليه المديرية نفسها.

يا مسؤولين الرسالة واضحة، رجل الأمن يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يضطر إلى الصراخ، والمعالجة الداخلية الحكيمة للمشاكل أفضل ألف مرة من انفجارها إعلاميا أو مأساويا، و وصول هذه الرسالة إلى المدير العام للأمن الوطني ومن ينوب عنه، هو أمل كل موظف شريف يرى في بدلة الشرطة شرفا، ويطمح إلى أن يمارس مهامه بكرامة و اطمئنان.

يحيا الملك يحيا الوطن

قد يعجبك ايضا
Loading...