اللجنة المؤقتة…حين يعلو صوت المسؤولية في زمن المزايدات و تتحول الصحافة إلى مجال نفوذ فمن يحرك المشهد الإعلامي في المغرب؟

المتطفلون على مهنة الصحافة والإعلام والنشر "ثروة في الحسابات وفقر في الأخلاق المهنية"

الأخبار المغربية
المغرب أولا – لم يعد النقاش الدائر اليوم حول مستقبل تنظيم المهنة داخل المجلس الوطني للصحافة مجرد خلاف مهني بين صحافيين وحول طرق التدبير أو حول من يملك الشرعية لقيادة المرحلة المقبلة، بل أصبح مرآة تعكس تحولات عميقة عرفها قطاع الإعلام في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تحولات جعلت الصحافة تنتقل تدريجيا من فضاء مهني يقوم على الكلمة والمسؤولية، إلى مجال تتقاطع فيه مصالح المال والأعمال والسياسة بشكل واضح، وهو واقع يعرفه الجميع داخل الوسط الإعلامي لكن القليل فقط من يجرؤ على الحديث عنه بصراحة.
فكلما اشتد النقاش حول إصلاح المؤسسات المهنية أو حول إعادة تنظيم القطاع تبرز فجأة أسماء وشخصيات تقدم نفسها باعتبارها حاملة لمشروع الإصلاح، غير أن المتتبع البسيط لمسار هذه الأسماء سيكتشف بسهولة أن كثيرا منها لم يصعد من داخل المهنة فقط، بل صعد بفضل شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية و السياسية التي أصبحت تتحكم في جزء مهم من الإعلام والنشر.
لقد تغيرت ملامح الصحافة المغربية كثيرا، في الماضي (1990) كان الصحافي يعرف أساسا بقلمه وبحضوره المهني داخل غرف التحرير، أما اليوم فقد أصبح المشهد مختلفا حيث برزت فئة جديدة تجمع بين الإعلام والمال والاستثمار و العلاقات السياسية، فصارت الصحف و المواقع والمنصات الإعلامية في بعض الحالات امتدادا لمشاريع اقتصادية أو واجهات لصراعات نفوذ لا علاقة لها برسالة الصحافة الأصلية، داخل هذا السياق المعقد ظهر الجدل الكبير حول مستقبل تنظيم المهنة بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة، وهو جدل لم يكن في جوهره صراعا حول تطوير أخلاقيات المهنة بقدر ما كان صراعا حول من يملك مفاتيح التأثير داخل هذا القطاع الحساس.
فالمجلس الوطني للصحافة الذي أنشئ أساسا ليكون إطارا للتنظيم الذاتي للصحافيين وجد نفسه محاطا بضغط متزايد من جهات مختلفة، بعضها يأتي من داخل المهنة نفسها وبعضها الآخر يأتي من خارجها، حيث تتقاطع مصالح رجال أعمال ومستثمرين و سياسيين يرون في الإعلام أداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام و صناعة الصورة والنفوذ.
ولذلك لم يكن غريبا أن يتحول النقاش حول إصلاح المجلس الوطني للصحافة، إلى ساحة مواجهة غير معلنة بين تيارات متعددة، بعضها يرفع شعار الدفاع عن حرية الصحافة بينما يسعى في الواقع إلى ضمان موقعه داخل معادلة النفوذ الإعلامي، فالمتأمل في خريطة الإعلام بالمغرب سيلاحظ بسهولة أن عددا من المنابر الإعلامية الكبرى لم يعد مجرد مشاريع صحافية تقليدية، بل أصبحت مؤسسات ذات امتدادات اقتصادية واسعة، حيث يمتلك بعضها شركات إنتاج واستوديوهات ومشاريع إشهارية واستثمارات في مجالات أخرى، وهو ما جعل الحدود بين العمل الصحافي و العمل التجاري تصبح في بعض الأحيان ضبابية، وفي ظل هذا الواقع الجديد لم يعد مستغربا أن يدخل رجال المال والأعمال إلى المجال الإعلامي بقوة، لأن الإعلام في النهاية لم يعد فقط وسيلة لنقل الخبر بل أصبح أيضا وسيلة لصناعة النفوذ و التأثير في المجالين الاقتصادي والسياسي، هذه التحولات خلقت نوعا من الاختلال داخل المهنة، إذ أصبح الصحافي المهني البسيط يجد نفسه أحيانا في مواجهة منظومة إعلامية ضخمة تحركها اعتبارات مالية واستراتيجية لا علاقة لها بأخلاقيات الصحافة. إن جزءا كبيرا من التوتر الذي يعيشه القطاع اليوم لا يتعلق فقط بطريقة تدبير المؤسسات المهنية، بل يتعلق أيضا بالسؤال الأعمق، من يملك الإعلام في المغرب؟ وهل ما زال الصحافيون أنفسهم قادرين على التحكم في مصير مهنتهم أم أن القرار أصبح بيد قوى اقتصادية وسياسية تستخدم الإعلام كأداة ضمن أدواتها المختلفة؟
في خضم هذه الأسئلة برزت اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر كحل مؤسساتي لتفادي الفراغ الذي كان يمكن أن يدخل القطاع في حالة شلل، غير أن هذه اللجنة وجدت نفسها بدورها وسط عاصفة من الانتقادات و الاتهامات التي تجاوزت في كثير من الأحيان حدود النقاش المهني الهادئ لتتحول إلى معركة مفتوحة في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، لكن المتابع الموضوعي يدرك أن جزءا كبيرا من هذا الصخب لا يتعلق فعلا بالدفاع عن حرية الصحافة أو استقلاليتها، بل يعكس صراعا أوسع حول إعادة ترتيب موازين القوة داخل المجال الإعلامي، في حين تصبح الصحافة مجالا تتقاطع فيه مصالح رجال المال و السياسة، يصبح من الطبيعي أن تتحول كل مؤسسة تنظيمية إلى ساحة تنافس بين هذه المصالح المختلفة، ولهذا السبب فإن الدفاع عن استقرار المؤسسات المهنية في هذه المرحلة الانتقالية لا يعني الانحياز إلى طرف ضد آخر، بل يعني أساسا حماية ما تبقى من التوازن داخل قطاع يعيش تحولات عميقة، الصحافة المغربية اليوم تقف عند مفترق طرق حقيقي، فإما أن تستعيد روحها المهنية القائمة على الاستقلالية و المسؤولية، وإما أن تتحول تدريجيا إلى مجال تتحكم فيه شبكات النفوذ المالي والسياسي، وفي مثل هذا السياق يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ليس من يقود المجلس أو من يعارضه، بل من يحمي المهنة نفسها من أن تتحول إلى مجرد أداة في يد من يملكون المال والسلطة. فالصحافة في جوهرها ليست مشروعا تجاريا صرفا ولا وسيلة للدعاية السياسية، بل هي قبل كل شيء خدمة عمومية تقوم على نقل الحقيقة والدفاع عن حق المجتمع في المعرفة، وإذا ضاعت هذه الرسالة وسط صراعات النفوذ و المصالح، فإن الخاسر في النهاية لن يكون الصحافيين فقط بل المجتمع بأكمله.
فالنقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يفتح اليوم داخل الوسط الإعلامي في المغرب ليس فقط حول إصلاح المؤسسات أو تغيير القوانين، بل حول كيفية حماية استقلالية الصحافة من هيمنة المال والسياسة، لأن مستقبل المهنة لن يتحدد بالشعارات ولا بالمعارك الكلامية، بل بقدرة الصحافيين أنفسهم على الدفاع عن جوهر مهنتهم في مواجهة كل أشكال النفوذ التي تحاول تحويل الإعلام إلى مجرد أداة ضمن أدوات القوة في المجتمع.
تصبحون على تغيير

قد يعجبك ايضا
Loading...