بقلم: الطيب ساق
لم تكن جموع المهاجرين التي اجتاحت سبتة المحتلة خلال يومين، والتي تجاوز عددها 50 ألفا، مجرد حادث عرضي في سجل الهجرة، كانت صدمة مدوية هزت أوروبا (شنغن) وأعادت طرح سؤال مؤرق، هل يمكن لفصل من فصول السياسة الخارجية أن يتحول إلى فاتورة تدفع على حدود البحر المتوسط؟ التوقيت وحده كاف لإثارة الريبة، فالأزمة اندلعت في اللحظة التي اختارت فيها إسبانيا أن تقف في الضفة الأخرى من الموقف الأوروبي الرسمي إزاء ما يجري في غزة، مدريد التي اعترفت بدولة فلسطين، وعلقت صادرات السلاح لإسرائيل، و وصف رئيس حكومتها بيدرو سانشيز ما يحدث في القطاع بـ”الكارثة الإنسانية” وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة حدودية غير مسبوقة.
سارعت تل أبيب وبعض دوائر واشنطن إلى تحميل مدريد المسؤولية، السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة لم يتردد في التشكيك في سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية، واصفا إياهما بـ”الجيبين الاستعماريين” أما كبير مستشاري ترامب فاستثمر صور المهاجرين لتبرير خطابه الشعبوي ضد الهجرة، في المقابل، قالت مدريد إن الأمر يتعلق بحملة تضليل نظمتها شبكات الاتجار بالبشر، لكن هل هي صدفة أن تتزامن موجة العبور الجماعي مع هذا التصعيد الدبلوماسي غير المسبوق بين إسبانيا و إسرائيل؟ لا نملك دليلا قاطعا على أن هناك من “دبر” الأزمة لكن في عالم السياسة، لا شيء يحدث بمعزل عن السياق وعندما تتحول قضية إنسانية إلى مادة دسمة للتجاذب الجيوسياسي يصبح من حقنا أن نتساءل.
الأزمة لم تقف عند حدود سبتة، إيطاليا علقت اتفاق شنغن مع إسبانيا، وفنلندا انتقدت، وفرنسا شددت مراقبتها، أوروبا المنقسمة أصلا حول أوكرانيا وغزة، وجدت في سبتة مرآة جديدة لخلافاتها، أما المغرب، فقد وجد نفسه مرة أخرى في الواجهة، قواته الأمنية تدخلت لتفريق الحشود، و أعادت الآلاف طوعا، لكن الصور التي خرجت من الحدود حملت في طياتها رسالة أعمق، أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط مرتبط ارتباطا عضويا باستقرار الضفة الشمالية، و بسياساتها الخارجية.
ما فعلته إسبانيا لم يكن نزوة هو تحول استراتيجي بدأ منذ سنوات، سانشيز اختار طريقا أكثر استقلالية في الشرق الأوسط علق صفقات السلاح، فتح تحقيقات قضائية، ودعم المساءلة الدولية، موقف كلفه الكثير على المستوى الدبلوماسي، لكنه حظي بدعم شعبي واسع، فـ 4 من كل 5 إسبان يؤيدون الاعتراف بفلسطين، اليوم، يبدو أن هذا الموقف بدأ يدفع ثمنه، ليس بالضرورة عبر مؤامرة، ولكن عبر ضغوط ناعمة، وعبر تحويل كل أزمة داخلية إلى ورقة ضغط، من غزة إلى سبتة، المسافة أقصر مما نتصور في عالم اليوم، أزمة الهجرة كشفت أن الحدود لم تعد خطوطا جغرافية فقط، بل أصبحت ساحات لتصفية الحسابات السياسية، وإذا كانت إسبانيا قد اختارت أن تكون صوتا مختلفا داخل أوروبا، فعليها أن تتحمل تبعات هذا الاختيار، أما نحن في المغرب، فعلينا أن ندرك أن موقعنا الجغرافي يجعلنا دائما في قلب المعادلة، شئنا أم أبينا، فالقضايا لا تموت في غزة لتبقى هناك، أحيانا، تعود إلينا على شكل أمواج بشرية تطرق أبواب سبتة.
الطيب ساق صحافي مهني