من أناسي رسالة إلى والي أمن الدارالبيضاء الكبرى…مواطن يبلغ عن واقعة مقلقة فهل أصبحت المبادرة عبئا بدل أن تكون دعما للمصلحة العامة؟

كيف يمكن تحويل المواطن من مجرد شاهد على الأحداث إلى شريك حقيقي في حماية المصلحة العامة وخدمة الوطن؟

عبدالمجيد مصلح

الأمن – في المجتمعات التي تسعى إلى ترسيخ الأمن و المواطنة، لا تقتصر مسؤولية الحفاظ على النظام العام على المؤسسات وحدها، بل تمتد أيضا إلى المواطنين الذين يساهمون، من خلال التبليغ و الإخبار، في رصد السلوكيات أو الوقائع التي قد تستوجب الانتباه أو التدخل، ماذا يحدث عندما يقوم المواطن الصالح بواجبه ولا يجد من يستمع إليه؟ هذه الأسئلة أعادت إلى الواجهة واقعة شهدها عدد من الركاب على متن سيارة أجرة كانت تسير من حي الفلاح في اتجاه محطة أناسي بالقرب من المنطقة الأمنية.

بحسب رواية أحد الركاب، بدأت الرحلة بشكل عادي قبل أن تتحول إلى مشهد أثار استغراب المسافرين وقلقهم، فقد دخل سائق سيارة الأجرة في خلاف حاد مع سيدة كانت ترافقه، وقيل إنها زوجته، ويؤكد الشاهد أن النقاش بين الطرفين لم يكن عاديا، بل استمر أمام الركاب دون اكتراث بوجودهم أو بظروف الرحلة، في وقت كان الجميع ينتظر الوصول إلى وجهته بأمان.

ومع تصاعد حدة التوتر، توقف السائق بالقرب من بائع سجائر، حيث استمر الخلاف وسط أجواء مشحونة، ويقول الشاهد إن الركاب وجدوا أنفسهم فجأة وسط نزاع شخصي لا علاقة لهم به، بينما كانت سلامتهم مرتبطة مباشرة بقدرة السائق على الحفاظ على تركيزه أثناء القيادة، وتفيد الشهادة بأن الخلاف ازداد حدة مع تبادل عبارات تهديد وانفعال واضح من الطرفين، ما دفع بعض الركاب إلى التدخل لتهدئة الوضع و تفادي أي تصرف قد يعرضهم للخطر، وفي مثل هذه الحالات، لا يتعلق الأمر فقط بخلاف عائلي أو شخصي، بل بمسؤولية مهنية مرتبطة بقيادة وسيلة نقل عمومية تحمل على متنها مواطنين عهدوا بحياتهم وسلامتهم إلى السائق.

فالراكب الذي يستقل سيارة أجرة لا ينتظر أن يجد نفسه شاهدا على نزاع قد يؤثر على تركيز السائق أو على سلامة الرحلة، بل ينتظر احترام شروط النقل الآمن و المسؤول.

بعد انتهاء الواقعة، لم يكتف أحد الركاب بالتذمر أو تجاهل ما حدث، بل قرر اتخاذ خطوة اعتبرها واجبا وطنيا ومواطنا، وحسب إفادته، قام بإرسال رقم لوحة سيارة الأجرة إلى مسؤول أمني بالمنطقة الأمنية أناسي، واضعا بين يديه معطيات قد تساعد، إن رأت الجهات المختصة ذلك ضروريا، على التحقق من ظروف الواقعة، ويؤكد المصدر أن هدفه لم يكن الانتقام من السائق أو الإضرار به، بل المساهمة في حماية الركاب و ضمان احترام القواعد التي تؤطر النقل العمومي.

غير أن المفاجأة، بحسب الرواية نفسها، كانت في غياب أي تفاعل مع المعلومة المرسلة، و يقول صاحب البلاغ إنه لم يتلق ما يفيد الاطلاع على رسالته أو التفاعل معها، الأمر الذي دفعه إلى التساؤل حول مصير البلاغات التي يقدمها المواطنون ومدى الاهتمام الذي تحظى به لدى بعض المسؤولين بالمنطقة الأمنية أناسي، ورغم أن عدم الرد لا يعني بالضرورة تجاهل البلاغ أو عدم معالجته، فإن غياب أي تواصل يترك الباب مفتوحا أمام التساؤلات و يؤثر على مستوى الثقة التي يفترض أن تربط المواطن بالإدارة.

إن المؤسسات الأمنية، شأنها شأن باقي المؤسسات العمومية، تؤكد باستمرار على أهمية انخراط المواطن في خدمة الصالح العام والتبليغ عن كل ما من شأنه حماية الأرواح والممتلكات، لكن هذه الدعوات تفقد جزءا من فعاليتها عندما يشعر بعض المواطنين بأن مساهماتهم لا تجد التفاعل المنتظر أو لا تحظى بالاهتمام الكافي.

فهل أصبح بعض المواطنين يترددون في التبليغ بسبب الخوف من عدم الاستجابة؟ و هل توجد آليات أكثر فعالية لاستقبال المعلومات والشكايات المرتبطة بسلامة المواطنين؟ و هل يتم تشجيع المواطن المبادر أم يشعر أحيانا بأن مبادرته غير ذات أهمية؟

هذه الواقعة، بصرف النظر عن تفاصيلها التي تبقى من اختصاص الجهات المعنية للتحقق منها، تفتح نقاشا أوسع حول مفهوم الشراكة بين المواطن والمؤسسات.

فالأمن يا مسؤولين مسؤولية جماعية، و المواطن الذي يبلغ عن واقعة يعتقد أنها تستحق الانتباه لا ينبغي أن يشعر بأن دوره ثانوي أو غير مرغوب فيه، بل إن بناء الثقة يمر عبر إقناع المواطن بأن صوته مسموع وأن مساهمته محل تقدير و احترام.

يحيا الملك يحيا الوطن

 

قد يعجبك ايضا
Loading...