الدرس الذي يجب ألا ينساه رئيس الفرقة الولائية للشرطة القضائية القانون لا يقاس بحجم البحث بل بالمساواة في تطبيقه
الأخبار المغربية/ عبدالمجيد مصلح
الدارالبيضاء – منذ سنوات ظل اسم الفرقة الولائية للشرطة القضائية بالدارالبيضاء يقترن في الوعي العام بالملفات الكبرى، من تفكيك الشبكات الإجرامية إلى محاربة الجريمة المنظمة والجرائم الاقتصادية، غير أن ملفا يعود إلى سنة 2020 يطرح أسئلة مشروعة حول حدود السلطة التقديرية في البحث القضائي، ومدى احترام مبدأ المساواة بين المواطنين في مباشرة الأبحاث، بعدما تحولت شكاية واحدة ضد صحفي مهني إلى سلسلة من التحريات الواسعة التي امتدت إلى مؤسسات و إدارات ومدن مختلفة، في مشهد يصفه متتبعون بأنه غير مألوف إذا ما قورن بملفات أخرى أكثر خطورة.
القضية بدأت بشكاية تقدم بها شخص يدعى عبد الصمد المرابطي باسم جمعية المعاقين، إلا أن وثائق متوفرة تشير إلى أن المكتب المركزي للجمعية كان قد أصدر في حقه قرارا بالعزل والتجميد بتاريخ 27 غشت 2018، أي قبل حوالي سنتين من تاريخ تقديم الشكاية، وهو ما يثير التساؤل حول مدى التحقق من صفته القانونية قبل اعتماد شكايته والانطلاق في إجراءات البحث، ورغم ذلك، باشرت الفرقة الولائية للشرطة القضائية أبحاثا موسعة لم تقتصر على الاستماع إلى الأطراف، بل شملت، حسب وثائق الملف، الاتصال بوزارة الاتصال و المجلس الوطني للصحافة و معهد التكوين ومندوبية التعليم و المحكمة المدنية و الاستفسار لدى معارف وأصدقاء المعني بالأمر، إضافة إلى التنقل بين الدارالبيضاء والرباط وحي الرياض وبنسليمان ومناطق أخرى، وكل ذلك من أجل التحقق من صفة صحفي مهني، غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الأبحاث انتهت إلى نفس النتيجة التي أكدت لاحقا في التقرير الإخباري رقم 232 بتاريخ 15 شتنبر 2021 والتقرير رقم 1742 بتاريخ 8 يونيو 2022 الصادرين عن الفرقة الاقتصادية والمالية الثالثة، حيث خلصا إلى أن الدبلوم مصادق عليه، وأن الممارسة المهنية قانونية، وأن البطاقة المهنية رقم xxxx سليمة.
وفي مقابل هذا الجهد الكبير الذي بذل للتحقق من الوضعية المهنية للصحفي، يطرح الملف سؤالا آخر يتعلق بقبول شهادة طبية كانت محل منازعة من طرف الدفاع، خاصة وأن الطبيب الذي أصدرها سبق أن تمت متابعته قضائيا في ملفات أخرى، الأمر الذي يجعل مدى سلامة الاعتماد على تلك الوثيقة موضوع نقاش قانوني يستوجب التحقق من الجهات المختصة، كما يثير الملف تساؤلات إضافية حول مدى التوازن في التعامل مع الشكايات، إذ يؤكد المعني بالأمر أنه سبق أن تقدم بشكايات وقدم معطيات تتعلق بشهادات طبية مطعون فيها وملفات أخرى يعتبرها ذات خطورة، غير أنها لم تعرف، بحسب تصريحه، نفس مستوى البحث والتحري الذي خصص للشكاية المقدمة ضده، ويضيف أن النائب الأول لوكيل الملك السابق الأستاذ خالد بنهاشم، عندما استفسره عن سبب هذه الأبحاث الواسعة، أفاد، حسب روايته، بأنه لا علم له بإصدار تعليمات بهذا الحجم، وهو معطى يظل في حاجة إلى التحقق من خلال الوثائق الرسمية وسجلات التعليمات القضائية إن وجدت، الملف يعيد إلى الواجهة النقاش حول مبدأ المساواة أمام القانون، فهل يمكن أن تتحول الإمكانيات البشرية و اللوجستيكية الكبيرة إلى وسيلة لمعالجة ملفات معينة دون غيرها؟ وهل تخضع جميع الشكايات لنفس معايير البحث والجدية أم أن هناك تفاوتا في طريقة التعاطي معها؟ أسئلة يفرضها هذا الملف دون إصدار أحكام مسبقة، لأن الفصل فيها يبقى من اختصاص الجهات الرقابية والقضائية المختصة. ويؤكد المعني بالأمر أنه لم يكن، خلال مساره المهني، خصما للمؤسسة الأمنية، بل يعتبر نفسه من المدافعين عنها من خلال عمله الصحفي، حيث سبق أن نشر تحقيقات وتقارير دعمت موظفين تعرضوا للظلم، وكشف في المقابل عن تجاوزات اعتبرها موثقة، انطلاقا من قناعته بأن حماية المؤسسات تمر عبر ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وليس عبر إسكات الأصوات الناقدة. وبين وثائق رسمية، وتقارير أمنية، وقرارات جمعوية، وشهادات طبية محل نزاع، ودهس صحافي مهني بالسيارة والتجسس عليه والسب والقذف والتشهير واتهامات خطيرة وهروب أسرته إلى أمريكا و التعذيب النفسي…إلخ، يبقى هذا الملف نموذجا يستحق البحث والتدقيق، ليس فقط من أجل إنصاف طرف دون آخر، وإنما من أجل تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ مبدأ أن العدالة لا تقاس بحجم الإمكانيات التي تسخر لملف معين، وإنما بمدى احترام القانون وتكافؤ المعاملة بين جميع المواطنين.
عبدالمجيد مصلح صحافي مهني مدير نشر “الأخبار المغربية”

