
الأخبار المغ،ربية/ عبدالمجيد مصلح
أنفا – من أخطر الظواهر التي تهدد الأمن العقاري بعمالة أنفا بتراب عمالة الدارالبيضاء الكبرى، تتكشف معالم شبكة معقدة من السطو المنظم على العقارات، خاصة داخل نفوذ عمالة أنفا، حيث تتداخل المصالح وتتشابك الأدوار بين عناصر إجرامية وبعض الفاسدين داخل مؤسسات يفترض فيها حماية الملكية، لتتحول الثغرات القانونية و الإدارية إلى أدوات فعالة للاستيلاء على أملاك الغير في صمت يكاد يكون تاما، تبدأ القصة غالبا من داخل بعض المحافظات العقارية أو المصالح الطبوغرافية، حيث يتم، وفق معطيات متطابقة، تسريب معلومات دقيقة حول عقارات تعاني هشاشة في وضعيتها القانونية، سواء بسبب غياب وثائق إثبات قوية أو لكونها مسجلة في اسم الدولة ضمن الملك الخاص أو في اسم أجانب، خاصة فرنسيين، أو يهود مغاربة غادروا البلاد منذ عقود، أو حتى مغاربة مقيمين بالخارج، هذه المعطيات لا تبقى حبيسة المكاتب، بل تتحول إلى إشارات توجه عصابات متخصصة لاختيار أهدافها بعناية، حيث تبحث عن العقارات التي تبدو “بدون مدافع” أو التي يغيب أصحابها لفترات طويلة، لتبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدا تقوم على اصطناع ملكية موازية عبر وثائق مزورة أو عقود شراء وهمية يتم إعدادها أحيانا بمساعدة عدول متورطين أو عبر استغلال ثغرات في التوثيق، وفي موازاة ذلك يتم تقديم مطالب للتحفيظ أو تعرضات كيدية تعطي انطباعا بوجود نزاع قانوني مشروع بينما هو في الأصل مبني على معطيات مفبركة، ولا تقف العملية عند هذا الحد، إذ تلعب بعض العناصر من أعوان السلطة دورا ميدانيا في تسهيل المهمة، سواء عبر إصدار شواهد إدارية أو غض الطرف عن تحركات مشبوهة، وهو ما يمنح هذه العمليات غطاء ظاهريا يصعب الطعن فيه في البداية، لكن أخطر ما في هذه الشبكات ليس فقط التزوير أو التلاعب بالمساطر، بل المرحلة التنفيذية التي تتم على الأرض، حيث تقدم هذه العصابات على احتلال الشقق المستهدفة بشكل فعلي، مستفيدة من طبيعة البنايات في أحياء أنفا، والتي يغلب عليها الطابع المهني، إذ إن عددا كبيرا من الشقق يستعمل كمكاتب للمحاماة أو عيادات طبية أو مقرات شركات أو جرائد، وهو ما يجعل وتيرة الدخول و الخروج غير منتظمة ولا تثير الشبهات.
في هذا السياق تقوم العصابات بكسر الأقفال الأصلية للشقق أو فتحها بوسائل احترافية، ثم تعمد فورا إلى تغيير الأقفال وتركيب أبواب حديدية جديدة تعطي الانطباع بأن الشقة في وضع عادي أو أنها خضعت فقط لأشغال إصلاح، وفي غياب تواصل فعال بين سكان العمارة، حيث يعيش كل واحد في عزلة نسبية ولا يعلم ما يجري في باقي الطوابق، تمر هذه العمليات دون إثارة الانتباه، بل إن بعض الجيران قد يفترضون أن الأمر يتعلق بمالك جديد أو نشاط مهني عادي، لتتحول الشقة في ظرف وجيز إلى عقار “تحت السيطرة” من طرف الشبكة، بعد ذلك تبدأ المرحلة القضائية التي تعد الأخطر، حيث يتم استغلال الوثائق المزورة والدفع بها أمام المحاكم، وفي هذه المرحلة بالذات تشير المعطيات إلى أن الإغراءات المالية الكبيرة تلعب دورا حاسما في التأثير على مسار بعض الملفات، سواء عبر إطالة أمد النزاع أو توجيهه، ما يضع المالكين الحقيقيين، أو إدارة الأملاك المخزنية حين يتعلق الأمر بعقارات الدولة، في وضعية صعبة للغاية، إذ تجد نفسها أمام وقائع مادية قائمة (احتلال فعلي وتغيير معالم الملك) مدعومة بوثائق تبدو سليمة شكليا، في حين لا يمكنها اللجوء إلى نفس الأساليب غير المشروعة، ولا تملك دائما الوسائل السريعة لإثبات التزوير في وقت وجيز، وفي بعض الحالات يزيد الوضع تعقيدا احتمال وجود تواطؤ داخلي محدود لكنه مؤثر من بعض الموظفين، ما يضعف قدرة هذه الإدارات على المواجهة، والنتيجة هي نزاعات قضائية طويلة و معقدة قد تستمر لسنوات، يتم خلالها تكريس الأمر الواقع على الأرض، حيث تبقى الشقق محتلة وتستغل أحيانا في أنشطة أخرى، بينما يظل المالك الأصلي أو الجهة المالكة عاجزين عن استرجاع حقوقهم بسرعة، هذه الظاهرة، وإن كانت لا تشمل جميع الفاعلين بطبيعة الحال، إلا أنها تكشف عن خلل بنيوي خطير يستوجب تدخلا عاجلا على عدة مستويات، بدءا من تشديد الرقابة داخل المصالح العقارية، مرورا برقمنة وتأمين المعطيات، وصولا إلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة الإدارية والقضائية، لأن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الملكية الفردية أو العمومية، بل يضرب في العمق الثقة في منظومة التحفيظ العقاري برمتها، و يجعل من بعض الأحياء الراقية فضاء مفضلا لعمليات سطو تتم بهدوء، خلف أبواب حديدية مغلقة، لا يثير وجودها أي شك لدى جيران لا يعلمون أن شقة بجوارهم قد سرقت، دون كسر صاخب، ودون مقاومة، بل عبر مسار طويل من التلاعب و التواطؤ والصمت.
تصبحون على تغيير