خطاب بنكيران المزدوج بين التعبئة الشعبية وحسابات السلطة والتقية

الأخبار المغربية

المملكة – عاد عبدالإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إلى الواجهة عبر سلسلة من الخرجات الإعلامية التي أثارت جدلا واسعا حول طبيعة خطابه السياسي وحدود التوازن بين التعبئة القاعدية والالتزام المؤسساتي، المنعطف الأخير كان تصريحه في أكتوبر 2024، حين قال إنه في حال عودته لرئاسة الحكومة سيكون على شاكلة حكومة إيران، التصريح فسر على أنه دعوة لنموذج سيادي صلب، لكنه استفز جزءا من الرأي العام المغربي نظرا للفارق الجوهري بين النظام السياسي المغربي المسلم ذي المرجعية الملكية، والنموذج الإيراني القائم على ولاية الفقيه و المجوسية.

بنكيران عاد لاحقا ليؤكد أن مقصده كان “قوة القرار السيادي” غير أن اختيار المثال بقي مادة للنقاش حول مدى دقة التوصيل السياسي لدى الرجل، فمنذ وصوله لرئاسة الحكومة سنة 2011، رافق بنكيران اتهام متكرر بـ”الخطاب المزدوج” مصادر سياسية متطابقة تشير إلى أنه يعتمد لغة تعبوية ذات بعد أخلاقي وديني أمام قواعده الحزبية، في حين يلجأ إلى خطاب مرن وتدبيري عند التعامل مع مؤسسات الدولة، الخصوم يصفون ذلك بـ”الازدواجية” بينما يعتبره مقربون منه “حسا سياسيا” يراعي التوازنات و يتفادى الاحتكاك المباشر مع مراكز القرار.

الملاحظ أن بنكيران يستحضر مصطلح “المخزن” بكثافة في لقاءاته المغلقة ومع قواعده الحزبية، التحليل السياسي يقرأ هذا الاستعمال كآلية لخلق خصم افتراضي يوحد القاعدة ويبرر تعثر بعض الملفات، في المقابل، تلتزم المؤسسات الرسمية الصمت تجاه هذا الخطاب، وتتعامل معه كجزء من دينامية المعارضة الداخلية داخل النسق السياسي المغربي.

القراءة الأولى ترى في بنكيران سياسيا براغماتيا يعرف حدود الممكن، ويشتغل على خط رفيع بين الاحتجاج و الحفاظ على الاستقرار، والقراءة الثانية تعتبر أن تقلب الخطاب حسب الجمهور يفرغ المواقف من محتواها الثابت، ويطرح سؤالا حول المرجعية التي يلتزم بها فعليا عند اتخاذ القرار.

ما يميز تجربة بنكيران هو قدرته على البقاء فاعلا سياسيا مؤثرا حتى خارج مواقع السلطة، لكن استمرار الجدل حول طبيعة خطابه يطرح سؤالا مفتوحا، هل نحن أمام خطاب استراتيجي محسوب، أم أمام أسلوب تواصلي يقوم على إدارة الانطباع أكثر من إدارة السياسة العمومية و الجواب على هذا السؤال سيظل مرهونا بمتابعة مسار الرجل إن عاد إلى موقع القرار، وبقدرة الرأي العام على التمييز بين ما يقال للاستهلاك، وما يترجم إلى سياسات ملموسة.

تصبحون على تغيير

قد يعجبك ايضا
Loading...