دم في فاس وإنذار في البيضاء وبلقصيري…عندما يتحول العنف بالأسلحة البيضاء إلى تحد أمني عابر للمدن

متابعة/ قاسم بنعائشة

بلقصيري – لم يعد العنف بالأسلحة البيضاء مجرد حوادث معزولة داخل أحياء مغلقة، بل أضحى مؤشرا مقلقا على تحولات عميقة في طبيعة الجريمة الحضرية، حيث يمكن لنزاع بسيط أن يتحول في لحظات إلى مواجهة دامية، كما حدث في المدينة العتيقة بفاس، في مشهد يعكس واقعا يتكرر بأشكال مختلفة من الدارالبيضاء إلى مشرع بلقصيري.

ففي فاس، لم يكن مساء يوم الثلاثاء الماضي عاديا، بعدما تحول خلاف بين عدة أطراف إلى تبادل جماعي للعنف باستعمال السلاح الأبيض، مخلفا إصابات بليغة، في حادثة أعادت إلى الواجهة خطورة النزاعات التي تتصاعد بسرعة خارج أي تحكم، لتدفع المصالح الأمنية إلى فتح تحقيق قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

وبعد أيام من التحريات المكثفة، تمكنت عناصر المصلحة الولائية للشرطة القضائية، بناء على معلومات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مساء السبت 4 أبريل الجاري، من توقيف شخصين يشتبه في تورطهما في هذا الاعتداء، داخل أحد أحياء المدينة.

غير أن هذه الواقعة، رغم خطورتها، ليست سوى جزء من صورة أوسع تتشكل ملامحها عبر مدن مختلفة، حيث تسجل الأجهزة الأمنية تدخلات متقاربة في الزمن و النمط، سواء في فاس أو في الدارالبيضاء أو حتى بمدينة مشرع بلقصيري، ما يكشف عن بروز سلوك إجرامي يتسم بالعنف السريع، واستعمال أدوات حادة، والقدرة على التحرك والاختفاء في محيطات حضرية معقدة.

التحقيقات الجارية في فاس لا تقتصر فقط على تحديد المسؤوليات المباشرة، بل تمتد إلى فهم السياق الذي سمح بتطور هذا النزاع إلى عنف جماعي، في وقت تشير فيه معطيات ميدانية إلى أن مثل هذه الحوادث غالبا ما تنفجر في فضاءات مكتظة، حيث تتداخل العوامل الاجتماعية مع غياب الوساطة وارتفاع منسوب التوتر، ما يجعل أي احتكاك بسيط مرشحا للتحول إلى جريمة خطيرة.

في المقابل، يبرز دور التنسيق الأمني كعامل حاسم في احتواء هذه الظواهر، إذ أظهرت العمليات الأخيرة قدرة واضحة على التدخل السريع، اعتمادا على تبادل المعلومات الدقيقة بين مختلف المصالح، و هو ما مكن من تحديد هوية المشتبه فيهم وتوقيفهم في آجال وجيزة، غير أن هذا النجاح، رغم أهميته، لا يخفي حجم التحديات المطروحة، خاصة في ما يتعلق بالجانب الوقائي.

فالرهان اليوم لم يعد فقط في توقيف المتورطين بعد وقوع الجريمة، بل في منع تشكلها من الأصل، عبر تعزيز الحضور الأمني، وتكثيف المراقبة في النقاط السوداء، و إعادة الاعتبار لآليات الوساطة الاجتماعية داخل الأحياء، خصوصا في المناطق ذات الكثافة العالية أو البنية العمرانية المعقدة كما هو الحال في المدن العتيقة.

ما بين فاس والدارالبيضاء و مشرع بلقصيري، تتكرر الإشارات، وتتشابه السيناريوهات، لكن الرسالة واحدة، العنف يتطور، والأمن مطالب بأن يتطور بدوره، ليس فقط في أدوات التدخل، بل في فهم أعمق لجذور الظاهرة، قبل أن تتحول هذه الحوادث إلى واقع يومي يصعب احتواؤه.

قد يعجبك ايضا
Loading...