حين تتحول سواحل المغرب إلى ممر مزدوج بين الأمل و الجريمة

الأخبار المغربية

المغرب أولا – لم تعد السواحل المغربية خط تماس بين قارتين فقط، بل أصبحت نقطة التقاء مسارات متضاربة، قوارب تخرج ليلا لا تحمل فقط شبابا يهربون من البطالة والضيق، بل تحمل أيضا ملفات لم تغلقها محاكم بلدانهم الأصلية، بين راكب يبحث عن فرصة جديدة، وآخر يهرب من حكم بالقتل أو بتهم الاتجار الدولي بالمخدرات، ضاع الخط الفاصل، واستغلت المافيا الغموض لصالحها.

هكذا تحولت الهجرة السرية من مغامرة فردية إلى صناعة منظمة، الأرقام تتغير، والوجوه تتغير، لكن الثابت الوحيد هو أن البحر أصبح الملاذ الأخير لمن فقد الثقة في الدولة، ولمن يبحث عن مخرج من قبضة العدالة في بلده، جيل كامل بات يردد في صمت أن الوطن ضاق بأبنائه، وأن فكرة البقاء أصبحت أصعب من فكرة العبور، هذا الشعور العام بالاختناق هو ما تستثمره شبكات التهريب لخلق سوق موازية، كل راكب يدفع مبالغ طائلة، ليصبح ربح قارب واحد كافيا لفتح مشروع متوسط يشغل عشرات الشباب، لكن الأموال لا تذهب لبناء فرص، بل تعود لجيوب مافيا الاتجار بالبشر والمخدرات.

اللافت أن فترات الأعياد و العطل المدرسية صارت موسما ذهبيا لهذه الشبكات، انشغال جزء من الأجهزة بالمناوبة يخلق ثغرات مؤقتة، والمافيا تعرف متى تضرب، في هذه اللحظات يتكثف الإقلاع، و يختلط الهارب من الفقر بالهارب من العدالة، ويصبح التمييز بينهما شبه مستحيل على عجل.

المقاربة الأمنية وحدها لم توقف النزيف، القوارب تضبط، والشبكات تعود بأسماء جديدة، ما دام السبب قائما – الفقر، التهميش، غياب الأفق – سيظل الطلب قائما، و ستظل المافيا تجد من يمولها، الأخطر أن دخول مطلوبين بقضايا ثقيلة ضمن موجات المهاجرين يخلق تهديدا أمنيا يتجاوز مسألة الهجرة، ويعقد التعاون القضائي بين الدول.

المواجهة اليوم تحتاج أكثر من زوارق المطاردة، تحتاج إلى ربط قواعد بيانات المطلوبين بأنظمة المراقبة، وإلى خلية مشتركة بين النيابة العامة و الأمن الوطني والدرك الملكي والاستعلامات العامة لتتبع مسارات المال، وتحتاج بالأساس إلى إعادة خلق الأمل داخل الوطن، لأن من لم يجد مكانا على الأرض سيصنع له مكانا فوق الموج، ولو كان الثمن حياته.

ما يحدث ليس مجرد هجرة غير شرعية، إنه إنذار اجتماعي وأمني بأن الثقة الوطنية تتصدع، وأن مافيا منظمة تتغذى على هذا التصدع، و تجاهل هذا الملف اليوم يعني دفع ثمنه غدا على مستويين، أمن الحدود – كرامة الإنسان.

قد يعجبك ايضا
Loading...