المغرب…صرخة الأطفال التي لم يرد أحد أن يسمعها

الأخبار المغربية

المملكة – لا ينبغي النظر إلى قضية تاونات باعتبارها مجرد حادثة عابرة أو خبرا عابرا، إنها اختبار حقي لدولة القانون، و لمدى فعالية المؤسسات المكلفة بحماية القاصرين، ولمجتمع لا يمكنه القبول بأن يصبح الأطفال ضحايا للاستغلال أو الصمت أو الإفلات من العقاب.

القضية التي تهز اليوم جماعة قرية با محمد بإقليم تاونات تعد من القضايا التي تترك أثرا عميقا في ضمير أي وطن، فما كشفته الأيام الأخيرة عبر وسائل الإعلام، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، و المعطيات الأولية للتحقيق القضائي، يتجاوز بكثير إطار ملف جنائي عادي، نحن أمام مأساة إنسانية تثير أسئلة جوهرية حول حماية الأطفال، والمسؤولية الجماعية للمؤسسات، وقدرة مجتمعنا على الإصغاء إلى الفئات الأكثر هشاشة عندما تستغيث طلبا للنجدة.

ووفق المعطيات التي تم الإعلان عنها، فقد انكشفت القضية عقب العثور على محتويات ذات طابع جنسي داخل الهاتف المحمول لتلميذة تتابع دراستها بالسلك الإعدادي، هذا الاكتشاف دفع السلطات إلى فتح تحقيق كشف، مع توالي الاستماع إلى المعنيين و تقدم الأبحاث، عن ملف بالغ الخطورة، حسب المعلومات المتداولة بأن عددا من القاصرات قد تعرضن للاستغلال الجنسي، وبحسب ما نقلته جمعيات حقوقية، فقد جرى تحديد هوية ما لا يقل عن إحدى عشرة فتاة مراهقة في إطار التحقيق، فيما تتحدث مصادر محلية عن احتمال وجود عدد أكبر من الضحايا، كما تشير المعطيات إلى وجود حالتي حمل في صفوف مراهقتين، بينما تم توقيف عدد من البالغين و إيداعهم رهن الاعتقال الاحتياطي إلى حين استكمال التحقيق القضائي.

كما تحدثت منظمات حقوقية عن ضغوط يشتبه في ممارستها على بعض الأسر بهدف الحد من الشهادات أو تثبيط تقديم الشكايات، وتروج كذلك روايات متواترة بشأن احتمال تورط أشخاص ذوي نفوذ بالمنطقة، ويبقى من مسؤولية العدالة تحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة كاملة بشأن هذه الادعاءات، غير أن الوقائع المعروفة إلى حدود الآن كافية لإثارة غضب كل من يعتبر حماية الطفولة خطا أحمر لا يقبل أي مساومة.

فخلف كل ملف قضائي توجد غالبا حقيقة إنسانية موجعة، و خلف كل مسطرة قانونية يوجد أطفال، وخلف كل ضحية توجد فتاة مراهقة كان من المفترض أن تحظى بالحماية والرعاية و التأطير والدعم، طفلة من حقها التعليم والأمن والكرامة والأمل، ومن حقها أن تعيش براءة سنها بعيدا عن الخوف والاستغلال و الصدمات النفسية، هذه القضية تفرض سؤالا أساسيا لا يمكن للمغرب التهرب منه، كيف أمكن لمثل هذا الوضع أن يتطور دون تدخل مبكر وفعال؟ وكيف وجدت قاصرات أنفسهن في هذا المستوى من الهشاشة؟ و كيف استمرت أوضاع بهذه الخطورة قبل أن تصل إلى علم القضاء؟ وكيف لم تؤد حالتا حمل لمراهقتين إلى تعبئة فورية وشاملة لجميع آليات حماية الطفولة؟ هذه الأسئلة تهم المجتمع المغربي بأسره، إنها تهم السلطات المحلية، و المصالح الاجتماعية، و المؤسسات التعليمية، و المنتخبين، والجمعيات، و القضاة، وأجهزة الأمن، وكل مواطن، كما ترتبط بصورة بلد اختار أن يجعل حماية الحقوق الأساسية ضمن التزاماته الدولية.

المغرب صادق سنة 1993 على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي تشكل اليوم أحد أهم المرجعيات الدولية في مجال حماية القاصرين، وتنص المادة 19 من هذه الاتفاقية على التزام الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الأطفال من مختلف أشكال العنف الجسدي أو النفسي، وسوء المعاملة، و الإهمال، والتخلي أو الاستغلال، كما تلزم المادة 34 الدول بحماية الأطفال من كافة أشكال الاستغلال والاعتداء الجنسي، فيما تؤكد المادة 39 ضرورة توفير مواكبة تسمح بإعادة التأهيل الجسدي و النفسي والاجتماعي للضحايا، هذه المقتضيات ليست مجرد مبادئ نظرية، بل التزامات قانونية وأخلاقية واضحة، تذكر بأن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تعلو فوق أي اعتبار آخر؛ فوق المصالح الخاصة، و الحسابات السياسية، والنفوذ المحلي، وموازين القوة.

قضية تاونات يجب أن تتحول إلى صدمة وطنية تدفع نحو مراجعة عميقة لآليات الوقاية والرصد وحماية الأطفال في وضعية هشاشة، كما ينبغي أن تشكل دافعا للسلطات العمومية من أجل تعزيز منظومات التبليغ، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، وضمان مواكبة كريمة وفعالة للضحايا.

يحيا الملك يحيا الوطن

قد يعجبك ايضا
Loading...