“بيغاسوس” حين تتحول الأدلة الرقمية إلى ساحة صراع بين التحقيق الصحافي والرواية السياسية

الأخبار المغربية

المغرب أولا – في خضم موجة جديدة من الجدل حول برنامج التجسس المعروف باسم “بيغاسوس” عاد النقاش مجددا إلى الواجهة بين من يرى أن القضية قامت على أدلة تقنية قابلة للنقاش وبين من يعتبرها واحدة من أكثر التحقيقات الصحافية تعقيدا في مجال الأمن السيبراني، الملف الذي بدأ كتسريب بيانات وتحليل رقمي سرعان ما تحول إلى قضية تتجاوز الجانب التقني لتلامس السياسة والإعلام و العلاقات الدولية، التحقيقات التي قادتها جهات صحافية استقصائية بالتعاون مع منظمات حقوقية أشارت إلى احتمال استخدام البرنامج لاستهداف شخصيات سياسية وصحافيين ونشطاء في عدد من الدول استنادا إلى قوائم بيانات وتحليل آثار رقمية على أجهزة الهاتف، غير أن طبيعة هذه الأدلة بقيت محل نقاش واسع بين خبراء الأمن المعلوماتي الذين اختلفوا حول مدى قدرتها على إثبات عملية اختراق بشكل قطعي في غياب وصول مباشر إلى البنية التشغيلية للبرنامج أو سجلاته الداخلية، في المقابل تؤكد شركة NSO Group المطورة لبرنامج بيغاسوس أن منتجها مصمم حصريا لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة و أنها لا تتحكم في طريقة استخدام العملاء للتقنية بعد بيعها مشيرة إلى أن العديد من الاستنتاجات المتداولة لا تعكس بالضرورة استخداما مثبتا للبرنامج بل تعتمد على قرائن رقمية قابلة للتأويل، هذا التباين بين الرواية الحقوقية و التحفظات التقنية فتح نقاشا عالميا حول معيار الإثبات في قضايا التجسس السيبراني، حيث يصعب عادة الحصول على دليل جنائي مباشر بالنظر إلى طبيعة هذه العمليات التي تتم في بيئات مشفرة وغير مرئية.

في السياق الإعلامي برزت التغطيات الفرنسية بشكل لافت في متابعة تداعيات الملف خصوصا في ما يتعلق بالادعاءات المرتبطة بالمغرب حيث اعتبر بعض المراقبين أن طريقة عرض القضية في عدد من المنابر الإعلامية اتسمت بتركيز واضح على أطراف محددة بينما رأى آخرون أن توسع التحقيقات شمل دولا متعددة بشكل طبيعي نتيجة تطور المعطيات وتسلسل التسريبات، كما أشار خبراء في الأمن السيبراني إلى أن البيانات الرقمية وحدها لا تكفي دائما لإصدار حكم نهائي إذ إن شهادات الاتصال أو المؤشرات التقنية قد تحمل أكثر من تفسير ما لم تدعمها أدلة سياقية إضافية بينما يرى فريق آخر أن تراكم المؤشرات وتحليل الأنماط الرقمية قد يشكل أساسا قويا للاستنتاج حتى في غياب الدليل التقليدي المباشر.

ومع استمرار تضارب الروايات بين من يتمسك بوجود مؤشرات قوية على استخدامات غير قانونية وبين من ينفي ويشكك في المنهجيات المستخدمة تبقى قضية بيغاسوس مثالا على التحول الذي تعرفه النزاعات الحديثة حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة خلف الكواليس بل أصبحت جزءا من ساحة الصراع بين الإعلام و السياسة والدبلوماسية، وفي ظل غياب حكم قضائي دولي نهائي يحسم كل جوانب الملف يظل السؤال الأساسي مفتوحا حول الحدود الفاصلة بين التحقيق الصحافي المشروع و التأويل السياسي وبين ما يمكن إثباته تقنيا وما يبقى ضمن نطاق الروايات المتنافسة التي تعكس في النهاية صراعا أوسع على سردية الحقيقة في عصر الأمن السيبراني.

تصبحون على تغيير

قد يعجبك ايضا
Loading...