ملف خاص وحصري…الفرق الضارة الخطيرة والمهددة لبلجيكا أكثر من 1200 جماعة على هامش اليوم الدراسي بالمركز البلجيكي للدراسات الأمنية
باحث محاضر رئيس قسم التطرف العنيف والراديكالية بالمركز الدولي للأبحاث وحقوق الإنسان
بقلم: إبراهيم ليتوس
الحلقة الأولى
مدخل لليوم الدراسي
مداخلتي يوم ، الجمعة 29 نوفمبر2019
في السنوات الأخيرة أولت الحكومة البلجيكية ومختلف الأجهزة ذات الصلة، اهتماما بالغا بالمجموعات المتطرفة، اليمينية منها واليسارية وكذالك لجماعات التطرف الديني على وجه الخصوص، فحصل بهذا التركيز و التكريس لهذه الجماعات نوع من الارتواء والاكتفاء إلى حد ما، وذلك على مستوى استراتيجية المعالجة والتتبع وعلى مستوى البحث المعمق، إلا أن المئات من الفرق والجماعات التي تشكلت في السنوات الأخيرة تحت يافطات مختلفة أصبحت هي كذلك تشكل خطورة على الدولة وعلى أتباعها وعلى أمنها الاجتماعي، وحتى لا تبقى هذه الفرق والجماعات في طي النسيان أقيم من أجل ذلك الغرض يوم دراسي للمختصين والذي نظم بتاريخ 29/11/2019 بجامعة “خنت” بشراكة مع المركز البلجيكي للدراسات الأمنية وقسم كلية الجرائم والدراسات الأمنية، خصص للخبراء ورجال الأمن والموظفين الساميين الذين يشتغلون في المجال الأمني والعسكري والشرطة الفدرالية مع أجهزة الإستخبارات البلجيكية والهولندية.

بداية قد يتساءل البعض، لماذا كل هذا الاهتمام بالفرق الضالة؟ وعليه يجب الرجوع قليلا إلى الوراء لفهم الأمور بشكل أوضح، لأن المحطة الفاصلة لهذا الإهتمام؛ الذي زاد من تتبع أنشطة الفرق في بلجيكا هو حادثة “الانتحار الجماعي” الذي قامت به عناصر من فرقة المسماة “طريقة معبد الشمس” والذي راح ضحيتها، بجبال الألب بفرنسا، سنة 1995 16 ضحية، والسنة التي بعدها بعدها، 34 ضحية بسويسرا.. وكان أحد الزعماء لتلك الفرقة، طبيب بلجيكي، مما حدا بالحكومة البلجيكية حينها إنشاء لجنة برلمانية لتقصي الحقائق نحو الفرق المتواجدة على التراب البلجيكي وكيفية التصدي لها والحد منها ومن آثارها السلبية على الأفراد والدولة والمجتمع.
ولقد بلغ عدد الفرق النشيطة ، على حسب إحصائية 2013 أكثر من 1200 مجموعة تندرج تحت مسمى ومفهوم الفرق الضالة، في بلجيكا.
فالكثير من هذه الجماعات اليوم تتنامى بشكل ملحوظ من جهة اليمين المتطرف الكاره للأجانب والمبغض للإسلام والمسلمين في أوروبا على وجه الخصوص ونفس الشيء يقال عن الجماعات الدينية المتطرفة التي تكره الغرب وتشيطن كل ما فيه، بغير حق.
ففي سنة 1998 صدرت توصيات من اللجنة البرلمانية، تقضي بتجريم الفرق التي لا تحترم حقوق الإنسان والتي تقوم بأعمال غير قانونية، لكن السؤال المطروح هو: ما هي المعايير لتصنيف مجموعة ما، بأنها ضارة أم لا؟ وما هي الحدود لقياس الضرر الخفيف الذي يمكن التغاضي عنه وما هو الضرر الذي يعتبر تجاوزا وخطيرا، ولابد من التدخل السريع لإنهائه؟ كيف ننظر من السياق الديني إلى مفهوم الفرق؟ وهل الوجهة الإسلامية مغايرة تماما للمقاربات البحثية الأخرى؟ وأين تكمن تلك الفوارق، وكيف يمكننا قياسها علميا مع باقي الفرق والجماعات المعاصرة؟ كل هذه أسئلة في غاية من الأهمية للقيام بالتصنيف و للمضي نحو مرحلة التجريم القضائي إذا اقتضى الأمر كذلك.
و كانت من بين التوصيات الصادرة عن اللجنة البرلمانية، إنشاء مركز للإرشاد والمعلومات عن الفرق الضارة الذي يرأسه…لوك ولامس IACSSO والمديرة التنفيذية السيدة كاترين.
مركز للإرشاد والمعلومات عن الفرق الضارة ، مركز فيدرالي يقوم بتقديم نصائح لكل مستفسر و لجهات رسمية . وهو من حيث الهيكلة ينضوي تحت وزارة العدل البلجيكية لاكنه يشتغل باستقلالية ويوفر خدمات معلوماتية وبيانية عن كل الفرق والتنظيمات التي تتحرك في بلجيكا.
التعريف القانوني
تعريف المركز الإرشادي والمعلومات للفرق وفق القانون بتاريخ 2 يونيو 1998 ووفق المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان هو
أي مجموعة لها غرض فلسفي أو ديني ، أو التي تقدم نفسهاعلى هذا الشكل والتي تخضع في تنظيمها أو ممارساتها ، إلى أنشطة ضارة غير قانونية ، أوتسبب في إذاية الفرد أو المجتمع أو تلحق ضررا بالكرامة الإنسانية
يحتوي المركز الإرشادي على مكتبة رقمية تشتمل على أزيد من 10000 مؤلف وبحث عن الفرق ،يعمل فيها حاليا 18 موظفا ، منهم 8 خبراء و8 آخرين يعينون من طرف البرلمان .ولقد أصدر هذا المكتب 13معيارا لقياس الفرق و المنظمات ، لدرجة طائفيتها و هذه المعايير هي
توظيف طرق خداعة أو مضللة في الإستقطاب
إستخدام التلاعب الفكري
سوء المعاملة الجسدية أو العقلية (النفسية) التي يتعرض لها الأتباع أو أسرهم
حرمان الأتباع أو أسرهم من الرعاية الطبية الكافية
العنف ، لا سيما العنف الجنسي ، تجاه الأتباع وأسرهم
إلزام الأتباع لإنفصال عن عائلاتهم وأزواجهم وأطفالهم وأقاربهم وأصدقائهم
يتم أحيانا إختطاف الأطفال أو سحبهم من والديهم
حرمان حرية مغادرة الجماعة
اشتراط مطالب مالية مفرطة والاحتيال واختلاس الأموال والممتلكات
الإستغلال الغير المشروع للقيام بأعمال الأعضاء
الإنفصال التام عن المجتمع الديمقراطي ووصفه بالشر وإلزام الأعضاء برفضه
الإرادة لتدمير المجتمع لصالح الجماعة
استخدام طرق غير قانونية أو غير ديموقراطية للحصول على السلطة
أما ورقتي هته ، فستركز على مفهوم الفرق في السياق الديني وتطبيقاتها على الجماعات المعاصرة ، بنظرات تاريخية والوقوف عند تحديات مستقبلية. لقد دأب الباحثون و الدراسون لظاهرة الفرق تناولها بمقاربات مختلفة ، فهناك البحث من المنظور الجرائمي و المنظور العلم الاجتماع الديني و المنظور الثيولوجي اواللاهوتي.فكانت هذه الجوانب الثلاث المستخدمة في تقسيمات الفرق دائمة حاضرة في الدراسات البحثية والتحليلية
هناك تنظيمات من نوع المنظمات الإجرامية ومنها من قبيل الجماعات السياسية المستغلة للجانب الأيديولوجي ومنها المنشقة عن الديانة الام بسبب شرخ تاريخي أو اختلاف في المعتقدات والمذاهب الفكرية الخ٠٠٠
في التسعينات ، بعدما تم نشر لائحة بأسماء 189 فرقة. لاسيما بعد ، ورود وذكر بعض الجماعات الكاثوليكية ـ مثل جماعات سنت إيخيديو، جماعة أوبيس ديو… التي كانت على صلة قريبة بالقصر الملكي تسبب في حرج كبير للأسرة المالكة. ومنذ ذلك الحين تم سحب و حظر تلك اللائحة المستقلة للفرق لما قد يسبب ذلك من ميز لبعض المجموعات الدينية
في البداية يجب العلم بأن الذين الفوا في الفرق مثل البغدادي الشهرستاني وابن حزم…..استخدموا تعريفا دينيا محضا نظرا لطبيعة مفهوم الفرقة في ذلك الزمان ويختلف الوضع الآن نظرا لتطور مفهوم الفرق وذلك من جهة تعدد المقاربات والآليات البحث في حقيقتها وديناميكيتها المتجددة واختلاف السياقات الزمانية والمكانية التي تظهر فيها تلك المجموعات لا تنس أن علم اللاهوت الديني في القرن الأول كانت كانت مهمته بالدرجة الأولى دفاعية.
نشأ هذا العلم ، لدحض الشبهات التي كانت تثار ضد المعتقدات الإيمانية وبكل متعلقاته، فكان الغرض الأساسي و من أهم وظائف علم الكلام هو تشكيل النظرة الكلية عن الله وتأويل الأسماء والصفات وكيفية فهم حقيقة الله وذاته العلية . المطلوب اليوم ، هو تجديد علم الكلام ليكون قادرا على بلورة نظرة كلية عن الإنسان ونظرة كلية عن الحياة والعالم وما ينتج عن تلك النظرات وما تتركه من آثار على التفكيرالإنساني وسلوكه وبهذه الطريقة تتم مراجعة المفاهيم القديمة لتواكب مواضيع جديدة تطرح حول فلسفة الدين والتدين.
نعلم جميعا ، أن ظهور الفرق تزامن مع بروز مختلف المدارس الفكرية والفقهية الإسلامية. فحينما إكتمل الدين برسالته السماوية و بعد إنتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى . ظل النقاش بين المسلمين محتدما حول أحقية الإمامة وحول فكرة من سيتولي أمر الخلافة من بعده . فكان أمرا الخلافة والإمامة من بين الأسباب التي قسمت المسلمين إلى سنة وشيعة ، في حين أن السنة كانوا يرون الأولوية لهم ، لكونهم من قريش كانت الشيعة تقول بأنها الأجدى بحكم القرابة و لأنهم من أهل العترة وأهل البيت. بهذه الطريقة تحولت الأمور السياسية و العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، ما بعد زمن النبوة لا سيما كل ما له تعلق بالاحكام السلطانية إلى جدل فكري وعقدي لا يزال ينخر في وحدة الأمة المسلمة ونسيجها الإجتماعي ، كما هو مشاهد على مستوى الإقليمي والدولي وكما نراه كذلك في الصراع على القيادة والمؤسسات الإسلامية على المستوى المحلي في أوروبا.
العوامل التي غذت الطائفية والحزبية في صدر الإسلام ، هي نفسها تلك الخلافات التاريخية والمرتكزات الإيديولوجية ، التي تغذيها اليوم إلى حد كبير. وبعدها بفترة وجيزة جاء الأشاعرة الذين قالوا بأن معرفة الناس لربهم لا تدرك إلا بالشرع وقالوا بقبول بعض صفات الله فقط (13) وأولوها بالمجاز فجاءت الماتريدية لتجعل مفهوم الإيمان مقتصرا على التصديق وجعلوا التحسين والتقبيح عقليين لا شرعيين و أما المعتزلة فأسسوا منظومتهم الفكرية على الأسس الخمس التالية : التوحيد، العدل،الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،الوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين. فبنيت هذه الأسس وفسرت على النزعة العقلية وقالوا ان كلام الله مخلوق و حادث وأنكروا نعيم القبر وعذابه وجعلوا أسماء الله بلا دلالة ثابتة اي أن الله سميع بلا سمع وبصير بلا بصر ، وذلك هروبا من الوقوع في اي تشبيه لله بالمخلوقات وظلت جماعة السنة والجماعة بدورها متمسكة بمذهبها الأثري والحرفية في فهم النصوص .
لاكن ، بعد حدوث الفتنة الكبرى التي أدت إلى الاقتتال الكبير و استشرى ذلك في صفوف المسلمين ، كما في معركة الجمل مع أم المؤمنين، عائشة رضي الله عنها ثم معركة الصفين بين أتباع معاوية والإمام علي. تولد جراء تلك المعارك والفتن ، جماعة متشددة ، خطؤوا فيها الإمام علي لكونه قبل بالتحكيم و خرجوا عن صفه ثم كفروه وكفروا من كان يقاتل معه ، ونقموا منه ، مخالفته قول الله تعالى : ان الحكم إلا لله ….اي انه لا يحق لأحد من البشر ان يحكم أحدا، لان التحكيم من خصوصيات الله تعالى، وحده ، على حسب زعمهم . فسموا بعدها بفرقة الخوارج . وتنظيم داعش اليوم في جانبه التكفيري ما هو الا امتداد لتلك الافكار من فرقة الخوارج الأولى. ابتداء من التكفير ثم التفجير ثم التقتيل ،التي غدت سلسلة من الثقافة الحدية التي تحمل في طياتها العنف وعدم القبول بآراء الاخرين.
اما التحدي الكبير والحالي يكمن في إيجاد معيار علمي ديني وموضوعي لتقييم الجماعات والفرق المعاصرة وفق تلك الآليات المتفق عليها .فامتلاك قاعدة البيانات وحدها لا تكفي. كما أن مجرد الإنصات إلى شهادات التائبين ممن كانوا في تلك الجماعات والمنظمات ، لن يحل مشكلة الانتشار والتوغل والاستقطاب في المستقبل . الفاعلية والممانعة تقتضي الإستباقية وبعد النظر ومواكبة الجماعات في تطورها
إن مما يميز الفرق والجماعات المعاصرة هو سوء استغلالها للانترنت ولقنوات التواصل الإجتماعي وهو الذي يزيد من إشكالية وصعوبة الرصد والتتبع .هناك الآن الكثير من الجرائم التي ترتكب في أوساط هذه الفرق ولا أحد من يعلم بها. لاسيما إذا كنا نعلم أن الفرق الضارة تستعمل شتى الطرف للقيام بأعمالها المشبوهة ، منها : تسييس الدين ، أدلجة الخطاب الديني ،التقية ، السرية والكتمان ، البيعة أو التعاقد، التكفير، ادعاء الولاية أو المهدوية وادعائه بأنه هو المخلص أو المهدي المنتظر ، ممارسة الضغط الذهني والنفسي ، الابتزاز المالي واستعمال العنف او تسويغه في حالات معينة ، الرغبة في قلب نظام حكم والمنع من التداوي بحجة استعمال الطب البديل والشعوذة ، تحريم التمدرس بحجج إيديولوجية وعدم الاختلاط مع المجتمع وإيثار العزلة ، تكفير الديموقراطية لأن الحكم فيها للشعب وعدم تهنئة الغير بأعيادهم لأنها أعياد شركية .كل هذه الافكار تحتوي على درجة من الخطورة والضرر،
لتطبيق معيرة الفرق على الجماعات الإسلامية المعاصرة وقياس خطورتها على الأمن الاجتماعي والصحي والاقتصادي سنعتمد من حيث السياق الديني على أصول الدين والنصوص الأساسية الكبرى دون الإلتفات إلى الإختلاف الفقهي المتعلق بالفروع وهو المبدأ المعروف بما هو معلوم من الدين بالضرورة. مع عقد مقارنة مع المعايير المتبعة من خبراء المركز الإرشادي بخصوص الفرق كمؤشرات على الضررالمحتمل على الكرامة ، الصحة ، الأمن والمال وتسييس أو أدلجة الدين السرية والكتمان ، البيعة أو التعاقد، التكفير، ادعاء الولاية أو المهدوية فهي إذن مؤشرات يمكن من خلالها قياس الضرر الكامن لدى كل جماعة إسلامية معاصرة ووزن مدى طائفيتها بميزان الشرع ومقاصده العليا إذ تشبه بشكل كبيرالكليات الخمس ، مع التأكيد دائماعلى أن بحثنا هذا في التيارات والفرق لا علاقة له البتتة بالأمورالفقهية أو التعبدية
رسم بياني وتوضيحي مع مقارنة نسبة التطابق الجماعات الإسلامية لمفهوم الفرقة وفق المعاييرالبلجيكية المعمول بها طبعا ننبه إلى أن الجدولة هاته إجتهادية ، تقريبية وليست قاطعة ،وهي محاولة لإخضاع الجماعات الإسلامية لمعايير التقييم مع إدخال تغييرطفيف على بعضها ، أما المركزالإرشادي فإنه عند تقديم أي طلب رسمي إليه ، فإنه يقوم ببحث مستفيض ، يدوم على الأقل ثلاثة أشهر، لدراسة المنظمة أوالجماعة والتي تضع عندئذ المنظمة أو الجماعة تحت المجهر لتقديم جواب حول طائفية المنظمة ومدى درجة خطورتها وفق معايير محددة.