الأخبار المغربية
الدارالبيضاء – في مشهد احتفالي بدا للوهلة الأولى نموذجيا، نظمت مؤسسة تعليمية خاصة بحي النهضة بتراب عمالة مقاطعة البرنوصي تظاهرة فولكلورية ومسيرة راجلة شارك فيها الأطفال و أولياء أمورهم، مرتدين أزياء إفريقية زاهية، في تعبير عن الانفتاح على العمق الثقافي للقارة، وقد ساهمت عناصر الأمن الوطني المدرسي في تأمين الحدث بشكل لافت، من خلال تنظيم السير وإغلاق الأزقة المحيطة، ما أعطى الانطباع بأن كل شيء يسير وفق تخطيط محكم.
لكن، خلف هذه الصورة المشرقة، برز تفصيل صغير في حجمه، كبير في دلالته، علم وطني باهت ومتسخ، مرفوع داخل فضاء المؤسسة، قد يراه البعض مجرد سهو عابر في خضم الاستعدادات اللوجستية المكثفة، لكن في السياق التربوي، لا يمكن التعامل مع الرموز الوطنية بمنطق “التفاصيل” فالعلم ليس قطعة قماش، بل هو اختزال لقيم الانتماء والسيادة والاحترام، و وجوده معلق مقلوب وفي حالة غير لائقة بمدخل مؤسسة تربي الأجيال يطرح سؤالا مقلقا، ماذا نعلم أبناءنا فعلا؟ هل أصبح الاهتمام بالمظاهر الاحتفالية—الأزياء، المسيرات، الصور—يطغى على الجوهر القيمي الذي يفترض أن يكون أساس العملية التعليمية؟ إذا تجاوزنا فرضية “السهو” فإن تعدد المتدخلين في هذا الحدث يجعل من الصعب حصر المسؤولية في طرف واحد. فالإدارة مسؤولة عن الفضاء، و الأطر التربوية جزء من الحياة اليومية للمؤسسة، كما أن الأنشطة الكبرى غالبا ما تمر عبر أعين جهات محلية مختلفة فهل نحن أمام حالة تطبيع مع الإهمال في ما يخص الرموز؟ أم أن التركيز انصب على ما يظهر للكاميرات ويسوق إعلاميا، بينما تركت التفاصيل ذات القيمة الرمزية جانبا؟
لا يمكن إنكار المجهود الكبير الذي بذلته عناصر الأمن في تأمين الحدث، وهو ما يعكس احترافية في التدبير الميداني، لكن المفارقة أن النجاح الأمني و التنظيمي لم يواكبه نفس الحرص على الجانب التربوي القيمي، وهنا يظهر التباين، مؤسسات قادرة على تعبئة الموارد لتنظيم تظاهرات كبرى، لكنها قد تعجز عن ضمان أبسط شروط الاحترام لرمز وطني داخل جدرانها.
الدعوة إلى فتح تحقيق لا يجب أن تفهم كاتهام جاهز، بل كآلية ضرورية لفهم ما حدث، هل كان الأمر مجرد غفلة؟ أم يعكس خللا في ترتيب الأولويات؟ أم هو مؤشر على غياب آليات المراقبة الداخلية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة ليس فقط بتحديد المسؤوليات، بل أيضا بمنع تكرار مثل هذه الوقائع.
ليست المشكلة في حفل فولكلوري، ولا في مسيرة مبهجة، بل في الرسائل غير المرئية التي تمرر بصمت، حين يبهت العلم في فضاء تربوي، فإن ما يبهت معه ليس اللون فقط، بل جزء من المعنى، وبين الاحتفال بالهوية الإفريقية و الواجب تجاه الهوية الوطنية، لا ينبغي أن يكون هناك تعارض، بل توازن لا يقبل الإهمال.
تصبحون على تغيير