الأخبار المغربية
بالقانون – ليست رسالة عادية تلك التي نشرتها والدة سعد لمجرد عبر صفحتها الفايسبوكية حين ناشدت الملك بالتدخل لإطلاق سراح ابنها، هي رسالة أم قبل أن تكون موقفا قانونيا ورسالة فنانة تتقاطع فيها العاطفة مع الرمزية قبل أن تتقاطع مع القانون، لكن هذه الرسالة فتحت نقاشا أعمق من قضية فنان واحد وتجاوزت حدود التضامن الأسري إلى سؤال مؤسساتي كبير حول من يحمي المغاربة في الخارج و كيف ومتى.
سعد لمجرد لم يكن مهاجرا سريا تقطعت به السبل في قارب ولا طالبا تعرض للعنصرية في سكن جامعي و لا عاملا مغربيا سلبت حقوقه في معمل، هو فنان اختار أن يعيش في فرنسا بكامل إرادته ونقل جزءا كبيرا من أعماله ومصالحه واستثماراته الفنية إلى باريس وتعاقد مع شركات إنتاج فرنسية وارتبط بمنظومة قانونية فرنسية يعرف قواعدها، اختياره للإقامة هناك كان اختيارا مهنيا و ماديا وليس اضطرارا وحين اختار القضاء الفرنسي أن يدينه فإن هذا القضاء طبقه عليه كمواطن مقيم يخضع لقوانين التراب الفرنسي وليس كسائح عابر.
هناك مئات الآلاف من المغاربة في أوروبا وأمريكا يعانون يوميا من مشاكل أعقد بكثير مغاربة في السجون بتهم ملفقة أحيانا و مغاربة طردوا من عملهم بسبب دينهم أو لونهم و مغاربة سحبت منهم حضانة أبنائهم ومغاربة يعيشون بدون أوراق ويتعرضون للابتزاز هؤلاء لا يملكون صفحة فايسبوكية يتابعها الملايين ولا يملكون منبرا إعلاميا يبكي عليهم أحد، لو فتحت المؤسسة الملكية باب التدخل المباشر في ملف قضائي أجنبي صدر فيه حكم نهائي باسم الشعب الفرنسي فهذا الباب لن يغلق أبدا. سيأتي غدا والد شاب معتقل في إيطاليا بتهمة السرقة ليطلب نفس التدخل وستأتي أم طالبة محتجزة في إسبانيا وستأتي عائلة مهاجر في بلجيكا، وسيتحول الديوان الملكي إلى مكتب لمعالجة النزاعات القضائية الفردية في 40 دولة وهذا ليس دوره الدستوري ولا دوره التاريخي، القنصلية تابعته و المحامون عينوا ووفرت له كل شروط المحاكمة العادلة كأي مواطن مغربي في الخارج وهذا هو سقف ما يسمح به القانون الدولي، و التدخل فوق هذا السقف يصبح مسا بسيادة دولة أخرى و يضع المغرب في حرج دبلوماسي هو في غنى عنه خاصة مع فرنسا التي نعيد معها ترتيب العلاقات الاستراتيجية، رسالة الأم مفهومة إنسانيا و مؤلمة عاطفيا لكن تحويلها إلى مطلب سياسي يفرغها من إنسانيتها و يضع الملك في مواجهة مع مبدأ استقلالية القضاء الأجنبي.
سعد لمجرد سيقضي عقوبته كما يقضيها أي مواطن فرنسي أدين بنفس التهمة و القضاء وحده من يقرر تخفيض العقوبة أو الاستئناف أو السراح المشروط، أما التضامن الحقيقي فهو ألا نجعل من قضية فنان قضية وطن وأن نتذكر أن وراءه آلاف المغاربة الصامتين الذين يحتاجون نفس الحماية القانونية بدون فايسبوك وبدون أضواء.