اسألوا زليخة نصري وزينب العدوي وحنان التجاني و خديجة بنشويخ وبشرى برادي… هكذا كن يصلين وهذا رد البخاري ومسلم على جدل صلاة المنصوري بجانب الملك
الطيب ساق
المغرب أولا – تولت فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة في لحظة تاريخية فارقة في مسار الدولة المغربية، وأعاد هذا الحدث إلى السطح ضجيجا مفتعلا حول صلاتها في الصف الأول إلى جانب أمير المؤمنين، و كأن المغرب لم يعرف المرأة في مناصب السيادة إلا اليوم.
إن من يثيرون هذا النقاش يسبحون في الماء العكر، و هم في العمق لا يصلون ولا يعترفون بالدين الإسلامي، و لا بمؤسسة إمارة المؤمنين التي هي صمام أمان هذا الوطن، لقد انطلق الجدل من مقطع متداول في مواقع التواصل الاجتماعي يقول فيه (إن المنصوري ستصلي إلى جانب الملك، ويتحدى من يمنعها أن يأتي بآية قرآنية تمنع ذلك) والحقيقة أن التحدي في غير محله، لأنه لم يقل أحد من الفقهاء يوما إن في القرآن آية تمنع المرأة من الصلاة بجانب الرجل بالحرف، لأن القرآن لم يفصل في ترتيب الصفوف و ترك التفصيل للسنة النبوية، و السنة فصلت الأمر بوضوح لا يقبل التأويل، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه و سلم لطعام فقال: “قوموا فلأصلي لكم” فقام أنس و اليتيم وراءه، وقامت العجوز من ورائهما، فكان هذا هو النموذج العملي للمسجد النبوي، “رجال ثم صبيان ثم نساء” وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، “خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها” وقد شرح الإمام النووي هذا الحديث بأن تفضيل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال إنما هو لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم و تعلق القلب بهم.
وجاء في صحيح البخاري أن النساء كن إذا سلمن من الصلاة قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال، حتى لا يقع اختلاط عند باب المسجد، و قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، “لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل” هذه هي النصوص الصحيحة في البخاري و مسلم، ولا يوجد فيها نص واحد يجيز للمرأة أن تصلي كتفا بكتف مع الرجل في صف واحد مختلط.
والأدهى من ذلك أن كل من يثيرون هذا الجدل اليوم نسوا أن المرأة المغربية بلغت أعلى مناصب السيادة منذ عقود، فكانت زليخة نصري أول مستشارة للملك في تاريخ المغرب، وكانت حاضرة في كل المناسبات الدينية الرسمية تصلي مع النساء في المكان المخصص لهن، وكانت زينب العدوي أول وال في تاريخ المغرب، ثم أول رئيسة للمجلس الأعلى للحسابات، و لم يسمع يوما أنها صلت في الصف الأول مع الرجال في صلاة العيد، بل كانت تصلي مع النساء في وقار واحترام، وتولت حنان التجاني منصب عاملة عمالة، وهو منصب يمثل الملك مباشرة، وكانت في المناسبات الدينية تحضر وتصلي في المصلى المخصص للنساء المسؤولات، وتولت خديجة بنشويخ منصب عامل عمالة، وكان بروتوكول حضورها في المناسبات الدينية واضحا و محترما، في الصفوف المخصصة للنساء، وتولت بشرى برادي منصب عامل عمالة وهي مثال للمرأة التي تجمع بين تولي منصب سيادي واحترام قدسية الشعائر، فهل سمعتم يوما أن إحداهن صلت في الصف الأول في صلاة العيدين مع الرجال؟ الجواب، لا.
المرأة العامل والوالي و القاضية والوزيرة والسفيرة و رئيسة الدائرة الأمنية و عميدة الشرطة ومندوبة الصحة، كلهن يصلين مع النساء في المصلى المخصص لهن، في وقار واحترام، وفي ذكرى المولد النبوي الشريف وفي كل المناسبات الدينية الرسمية تكون حاضرة مع النساء في المكان المخصص لهن دون أن يثير ذلك أي جدل، فاسألوا العدوي ونصري والتجاني وبنشويخ وبرادي كيف كن يصلين حين كن في مناصب السيادة، و ستعرفون أن الدولة المغربية حسمت هذا الأمر منذ سنوات طويلة بفضل حكمة إمارة المؤمنين.
إن بروتوكول الدولة المغربية راكم تجربة عريقة في التوفيق بين تمكين المرأة و احترام قدسية الشعائر الدينية، ورئيسة الحكومة الجديدة ستحظى بمكان محترم يليق بمنصبها مع النساء، كما هو معمول به مع كل المسؤولات الساميات، و معيار تولي المناصب في المغرب، كما قالت المنصوري نفسها، هو النزاهة والكفاءة و نكران الذات وليس الجنس، والذين، يحاولون اليوم تحويل حدث تاريخي عظيم إلى نقاش حول الصف الأول، هم أنفسهم الذين لا يعرفون طريق المسجد إلا في المناسبات، ولا يعترفون بدور العلماء ولا بمؤسسة إمارة المؤمنين.