الصحافة المغربية تحتاج إلى جيل جديد يحمل المشعل

الطيب ساق

الدارالبيضاء – تعيش الصحافة المغربية اليوم لحظة تحتاج فيها إلى أكثر من مجرد إعادة ترتيب الهياكل والقوانين، فالرهان الحقيقي هو استعادة الثقة في المهنة، وإعادة الاعتبار إلى دورها في خدمة المجتمع، بعيدا عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.

ومن بين الملفات التي تستحق فتح النقاش بشجاعة، وضعية بعض الناشرين الذين راكموا، خلال سنوات، امتيازات ومداخيل مهمة، في وقت لا تزال فئات من العاملين في القطاع تواجه صعوبات مادية و مهنية كبيرة، فالمسألة لا تتعلق بالحسد أو التشكيك في نجاح المقاولات، وإنما بضرورة طرح سؤال واضح حول مدى انعكاس الموارد العمومية والإمكانات المتاحة على تطوير المؤسسات و تحسين أوضاع الصحافيين.

المرحلة المقبلة تحتاج كذلك إلى تجديد حقيقي للنخب التي تدير النقاش الصحافي، فقد آن الأوان لكي يأخذ جيل جديد من المهنيين مكانه الطبيعي، بجيل من الأفكار و العقليات وأساليب العمل التي تنسجم مع تحولات المجتمع والإعلام، فالمهنة لا يمكن أن تبقى رهينة أسماء ظلت حاضرة لعقود طويلة، خصوصا أن بعض من يتصدرون اليوم مشهد “إنقاذ” الصحافة أصبحوا في عمر يسمح لهم بتسليم المشعل بدل الاستمرار في احتكاره.

لكن انتقال المشعل لا ينبغي أن يعني انتقال الخصومات. الصحافي أو الناشر الذي سيتحمل مسؤولية المرحلة المقبلة مطالب بأن يفصل بين المهنة ومشاعره الشخصية، و ألا يحول المنبر الإعلامي إلى وسيلة للانتقام من خصوم أو تصفية حسابات قديمة. فالحياد ليس شعارا يرفع عند الحاجة، بل ممارسة يومية و اختبار حقيقي لمصداقية الصحافة.

ما تحتاجه الصحافة المغربية اليوم هو جيل يؤمن بأن قوة المنبر لا تقاس بعدد الخصوم الذين يستطيع مهاجمتهم، و إنما بقدرته على قول الحقيقة بمسافة واحدة من الجميع، و الدفاع عن المهنة حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة للأصدقاء قبل الخصوم.

وفي هذا السياق، تكتسي المقالات التي تفتح النقاش حول مستقبل القطاع وتطرح أسئلة محرجة حول الحكامة والشفافية واستقلالية القرار الإعلامي أهمية خاصة، ومن هذا الباب يمكن النظر إلى الكتابات التي ينجزها إدريس شحتان باعتبارها مساهمة في تحريك المياه الراكدة و فتح نقاش يتجاوز الأشخاص إلى مستقبل المهنة نفسها.

فالصحافة لا تحتاج إلى معارك إضافية، بقدر ما تحتاج إلى أفكار جديدة، و وجوه جديدة، وأخلاق مهنية أكثر صرامة، وتحتاج قبل كل شيء إلى أن يؤمن أبناؤها بأن المشعل ليس ملكا لأحد، وأن أفضل خدمة يمكن أن يقدمها جيل للصحافة هي أن يهيئ الطريق لجيل آخر أكثر شبابا ونضجا واستقلالية.

إن الرهان الحقيقي في السنوات المقبلة ليس فقط من سيجلس على كرسي المسؤولية، وإنما أي صحافة نريد أن نتركها للأجيال القادمة، صحافة تخدم الحقيقة والمواطن، أم صحافة تتحول إلى امتداد للصراعات والمصالح؟

الجواب لن تحدده القوانين وحدها، بل ستحدده أخلاق من سيحملون المشعل.

الطيب ساق صحافي مهني

قد يعجبك ايضا
Loading...