الأخبار المغربية
أنفا – قد يبدو، مع مرور السنوات، أن مجرد اختيار الصحافي الاشتغال على ملفات الإدارة العمومية أو القضاء أو الأجهزة الأمنية أو المؤسسات ذات الطابع السيادي يجعله محل شك و ريبة، وكأن الاقتراب من هذه الملفات يعني بالضرورة إعلان العداء للعاملين بهذه المؤسسات، غير أن التجربة المهنية تثبت عكس ذلك؛ فالصحافة الاستقصائية الجادة لا تستهدف الأشخاص ولا المؤسسات، وإنما تسعى إلى كشف الاختلالات حين توجد، وإبراز الجهود الإيجابية حين تستحق الإشادة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الإصلاح لا يتحقق إلا بالنقد المسؤول و الشفافية واحترام القانون.
على امتداد السنوات الأخيرة، انصب جانب مهم من عملي الصحافي على متابعة قضايا تتعلق بالإدارة العمومية، و المحاكم، والأمن الوطني، و الدرك الملكي، وإدارة السجون، والجمارك، و العمالات، وغيرها من المؤسسات التي تمارس أدوارا أساسية في خدمة المواطنين، ولم يكن الهدف يوما هو التشهير أو تصفية الحسابات، بل المساهمة في إيصال المعلومات إلى المسؤولين والرأي العام، و لفت الانتباه إلى اختلالات قد تضر بصورة المؤسسات أو بحقوق المواطنين، إلا أن هذا التوجه لم يرق لبعض الموظفين، الذين اعتبروا أن مجرد نشر أخبار أو ملاحظات حول سير المرافق العمومية هو إعلان حرب عليهم، في حين أن الحقيقة كانت مختلفة تماما.
في مناسبات عديدة، كنت أحرص على إبلاغ مسؤولين بمعطيات وملاحظات توصلت إليها قبل نشرها، إيمانا مني بأن معالجة الإشكال من مصدره أفضل من تحويله مباشرة إلى مادة إعلامية، لكن بعضهم كان يفسر هذا السلوك على أنه محاولة للتقرب أو البحث عن امتيازات أو كسب رضا المسؤولين، بينما يعرف كثيرون أنني لم أعتد اللجوء إلى أي مسؤول لقضاء مصالح شخصية أو التوسط في ملفات المواطنين خارج الإطار القانوني، وأن كل تواصلي معهم كان يندرج في نطاق عملي المهني، خاصة عندما يتعلق الأمر بشكايات يتقدم بها مواطنون يعتبرون أنفسهم ضحايا أخطاء إدارية أو قضائية أو تجاوزات من جهات لها صفة الضابطة القضائية، وحتى في مثل هذه الحالات، كنت أفضل دائما التواصل الهادئ و محاولة توضيح الوقائع قبل التسرع في نشر أي خبر.
الأخبار التي نشرتها عبر الموقع الإلكتروني لم تكن، في كثير من الأحيان، سوى جزء محدود مما كان يصلني من معطيات، فقد امتنعت عن نشر ملفات أكثر حساسية و خطورة، ليس خوفا أو ترددا، وإنما احتراما لمقتضيات القانون وأخلاقيات المهنة، و حرصا على عدم نشر معلومات غير مكتملة أو قد تمس بسير التحقيقات أو بحقوق الأشخاص.
فالصحافة المهنية لا تقاس بعدد الفضائح المنشورة، و إنما بقدرتها على التحقق من الوقائع، واحترام قرينة البراءة، والتفريق بين المعلومة المؤكدة والإشاعة، ومن المؤسف أن ثقافة سوء الظن لا تزال حاضرة لدى بعض الجهات، حيث ينظر إلى كل صحافي يثير قضية أو يوجه سؤالا أو ينشر تحقيقا على أنه خصم للمؤسسة، بينما يفترض أن يكون النقد البناء فرصة للمراجعة والتصحيح.
يا مسؤولين، الإدارة الحديثة لا يمكن أن تتطور في بيئة تعتبر كل ملاحظة استهدافا، بل في مناخ يقوم على تقبل الرأي الآخر، والاستفادة من الملاحظات المهنية، وتعزيز جسور الثقة بين المؤسسات والإعلام، وأي حديث عن وقائع أو أسماء أو اتهامات، سواء تعلق الأمر بجرائم أو علاقات مشبوهة أو استغلال النفوذ أو غير ذلك، يجب أن يستند إلى أدلة موثقة أو إلى أحكام قضائية أو تحقيقات رسمية، لأن الصحافة المسؤولة لا تبني استنتاجاتها على الشائعات أو الاتهامات غير المثبتة، كما تحرص على منح جميع الأطراف المعنية حق الرد والتوضيح، التزاما بقواعد الإنصاف واحترام القانون.
لقد وجدت نفسي، في مراحل مختلفة، طرفا في نزاعات و شكايات أعتبر أنني تضررت فيها من قرارات أو إجراءات صادرة عن جهات إدارية أو قضائية أو أمنية، و هو ما منحني تجربة شخصية إلى جانب التجربة المهنية، غير أن هذه التجارب، مهما كانت قاسية، لم تدفعني إلى اتخاذ موقف عدائي من المؤسسات، لأنني أميز بين أخطاء قد يرتكبها أشخاص وبين الدور الذي تضطلع به المؤسسات في حماية القانون وخدمة المجتمع، الإصلاح لا يكون بتعميم الاتهامات، وإنما بالمطالبة بالمحاسبة عند الاقتضاء، وتشجيع الكفاءات والنماذج الإيجابية داخل الإدارة.
يا مسؤولين، الصحافة و الإدارة ليستا في مواجهة، بل هما شريكان في خدمة الصالح العام، والإعلام الحر يساهم في كشف الاختلالات واقتراح الحلول، والإدارة المنفتحة تستفيد من النقد لتطوير أدائها وتعزيز ثقة المواطنين، أما استمرار سياسة سوء الظن، واعتبار كل قلم ناقد عدوا، فلن يؤدي إلا إلى إضعاف فرص الإصلاح و إغلاق أبواب الحوار، دولة المؤسسات تبنى بالتعاون بين مختلف الفاعلين، وباحترام القانون، و بالإيمان بأن النقد المهني المسؤول ليس تهديدا بل أحد أهم أدوات تحسين المرفق العام وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
عاش الملك عاش عاش عاش