الأخبار المغربية
المغرب أولا – أعاد مشروع تعديل قانون مهنة المحاماة الذي تقدمت به وزارة العدل النقاش العمومي إلى نقطة الاشتباك الأبدي بين مطلب الشفافية ومبدأ استقلالية الدفاع، ضجيج كبير رافق العرض الحكومي، ووقفات احتجاجية نظمها المحامون، ومنشورات اجتاحت مواقع التواصل تخلط بين الحقائق والمخاوف والمواطن في الوسط يبحث عن إجابة بسيطة ومباشرة ماذا سيتغير في علاقتي بالمحامي؟ لا يحتاج الجواب إلى تأويل و النص الجديد لا يفرض على المتقاضي توقيع عقد خدمات مفصل مع محاميه كما روج له، ما ألزمت به الوزارة المحامي هو الاحتفاظ بوثيقة تسمى التكليف محرر من قبل الموكل، وهذا فارق قانوني جوهري لا يحتمل الخلط، العقد التزام متبادل بين طرفين، أما التكليف فهو إقرار من جانب واحد يصدر عن المواطن يشهد فيه أنه فوض الأستاذ فلان للنيابة عنه أو لمؤازرته، ويضمن فيه رقم الملف ومبلغ الأتعاب المتفق عليه، الغاية ليست تعقيد المسطرة بل توثيق العلاقة المالية، هذه الورقة وجدت لحماية حق المحامي في استخلاص أتعابه عند النزاع، و لكي يتمكن من الإدلاء بها أمام الموظفين المكلفين بالأداء من أجل استخلاص المبالغ المحكوم بها لفائدة الموكل، المواد من 54 إلى 57 من المشروع واضحة في هذا الباب ولا لبس فيها.
وذهب المشروع أبعد في جانب التأطير المالي، ألزم المحامي بتسليم وصل عن كل مبلغ يتحصله من موكله مقابل عمله، وأقر أنه إذا تجاوزت الأتعاب عشرة آلاف درهم فلا مجال للأداء نقدا، بل يجب أن يتم عبر الشيك أو عبر وسيلة أداء إلكترونية. الهدف معلن ولا يحتاج إلى تبرير، هو إخراج هذه العلاقة من دائرة الشفوي والظل إلى دائرة الإثبات والمساءلة، و حماية المواطن من التقديرات الجزافية وتجفيف أحد منافذ الاقتصاد غير المهيكل.
هنا تحديدا وقع التضخيم الأكبر، تم الترويج لفكرة أن مالية المحامي الفرد ستصبح تحت مجهر المجلس الأعلى للحسابات، وهذا غير صحيح البتة، القانون لا يتضمن أي مقتضى يخضع حساب المحامي الشخصي أو مداخيله لرقابة المجلس، ما يخضع للرقابة هو مالية الهيئات المهنية، أي ميزانيات وصناديق هيئات المحامين باعتبارها مؤسسات مهنية تسير أموالا قد تكون عمومية أو شبه عمومية، أما الأتعاب التي يؤديها المواطن لمحاميه فتظل علاقة خاصة محمية بسر المهنة.
أما بيت القصيد في غضب المحامين فهو ما يتعلق بتدبير الأموال المودعة في حساب الودائع والأداءات. يرى المحامون أن هذه الأموال ليست مالا عاما ولا مالا خاصا بهم، وإنما هي أمانات تخص الموكلين و المتقاضين توضع لديهم أو لدى الهيئة لتسليمها لاحقا و يرون في أي تأطير إداري جديد لها مسا مباشرا بالثقة التي يقوم عليها عمل الدفاع، وترد الوزارة بأن التنظيم ضرورة لحماية أموال الناس وضمان عدم التلاعب بها.
إن علاقة المواطن مع المحامي ستصبح أكثر توثيقا وأكثر شفافية ستوفر تكليفا موقعا منه، وسيأخذ وصلا عن كل ما يدفعه، ولن يدفع مبالغ كبيرة نقدا، في المقابل تبقى استقلالية المهنة وسرية العلاقة بين الدفاع والموكل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر، والمشكل الحقيقي لم يكن في فكرة التنظيم، بل في طريقة إخراجها، الإصلاح لا ينجح بالفرض ولا بالصدام، وإنما بالحوار، فالعدالة لا تقوى إلا إذا اطمأن المواطن إلى أن دفاعه حر ومستقل، و إذا اطمأن في الوقت نفسه إلى أن جيبه محمي وأن أتعاب الدفاع واضحة ومعلنة.
تصبحون على تغيير