كاميرات المراقبة بالمحكمة الابتدائية الزجرية حارسة للعدالة أم شاهد على اختلالاتها؟

الأخبار المغربية
المغرب أولا – في زمنٍ تتعاظم فيه مسؤولية العدالة و تشتد فيه أنظار المجتمع نحو مؤسساته القضائية، يظل ميزان الحق أمانة ثقيلة لا تحتمل أي اختلال، وما ورد في الحديث النبوي الشريف حول مصير القضاة ليس مجرد توجيه ديني عابر، بل هو ميثاق أخلاقي صارم يضع القاضي أمام مسؤوليته التاريخية و الإنسانية، حيث لا مجال للتهاون أو الخطأ غير المحسوب.
أيها السادة المسؤولون في سلك القضاء، إن إصدار الأحكام لا يقتصر على تطبيق النصوص الجامدة، بل يتطلب وعيا عميقا بروح العدالة واستحضارا دقيقا لظروف القضايا وملابساتها. فالقاضي الذي يدرك الحق و يلتزم به يسلك طريق النجاة، بينما يشكل الانحراف عن العدل، سواء عن علم أو عن جهل، منزلقا خطيرا لا تحمد عواقبه، لأن الصراع بين الإنصاف والانحياز ليس وليد اللحظة، بل هو معركة أخلاقية ممتدة عبر الزمن، تتجدد في كل قرار قضائي وفي كل حكم يصدر، وفي قلب هذه المواجهة، لا تكفي القوانين و حدها لضمان العدالة، بل لابد من ضمائر حية وإرادة صادقة ترفض الخضوع للأهواء أو الضغوط.
لقد أضحت الوسائل الحديثة، مثل كاميرات المراقبة داخل المؤسسات القضائية والأمنية، أدوات مهمة لرصد الاختلالات وتوثيق الوقائع، لكنها تبقى عاجزة عن إصلاح ما تفسده النوايا أو تقويم ما يختل في الضمائر، فالتقنية، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن النزاهة، ولا أن تحل محل الوعي الأخلاقي الذي يجب أن يوجه كل قرار.
غير أن الحديث عن الضمير لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب مثالي منفصل عن الواقع، لأن المجتمع اليوم لم يعد يكتفي بالنوايا المعلنة، بل ينتظر أفعالا ملموسة تعيد الثقة في العدالة وتحصنها من كل شبهة.
يا مسؤولين، استقلال القضاء لا يكتمل إلا بالجرأة على تصحيح الاختلالات، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون تردد أو انتقائية وحماية هيبة القضاء لا تكون بالتستر على الأخطاء، بل بمواجهتها بحزم، لأن العدالة التي لا تراجع نفسها تفقد تدريجيا مشروعيتها في أعين الناس و هذا ما حدث بمحاكم الدارالبيضاء الكبرى.
يا مسؤولين، المتقاضين، وهم يلجون أبواب المحاكم، لا يبحثون فقط عن حكم قانوني، بل عن إنصاف يشعرهم بأن حقوقهم مصونة وكرامتهم محفوظة، وهنا تتجلى المسؤولية الأخلاقية في أسمى صورها، أن يشعر كل مواطن بأن قضيته عولجت بجدية، و أن صوته سمع دون تحيز أو إهمال، القضاء العادل لا يقاس فقط بصحة الأحكام، بل أيضا بطريقة الوصول إليها.
يا قضاة النيابة العامة، إن الإحسان في أداء الواجب ليس إجراء شكليا، بل هو التزام عميق بنقاء القصد وعدالة القرار، فلتكن أحكامكم مرآة لضمائركم، ولتكن نياتكم زادكم في طريق لا يقاس فيه النجاح بعدد الملفات المحسومة، بل بمدى إنصاف المظلوم وصون الحقوق.
إن التاريخ لا يخلد كثرة القضايا التي تم البت فيها، بل يخلد المواقف التي انتصر فيها قاضي النيابة العامة، للحق رغم الضغوط، واختار فيها العدل رغم كلفته، وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه التحديات، يبقى الرهان الأكبر على نساء و رجال العدالة في أن يكونوا في مستوى هذه الأمانة، وأن يجعلوا من كل حكم صادر عنوانا للإنصاف لا موضعا للتشكيك.
فالعدالة التي ينشدها المجتمع لا تبنى فقط داخل قاعات المحاكم، بل تصاغ أولا في النفوس؛ وهناك، حيث لا كاميرات ولا رقابة خارجية، يحسم الامتحان الحقيقي.
تصبحون على تغيير

 

 

 

قد يعجبك ايضا
Loading...