عبدالمجيد مصلح
الدارالبيضاء – بدأت العمل الصحافي في تسعينيات القرن الماضي وكنت لا أزال في ريعان الشباب حين كانت الجريدة تطبع فوق ورق يشبه ورق السكر وكانت الكاتبة المكلفة بالرقن داخل المطبعة هي من تتولى كتابة المقالات والأخبار التي نحررها بخط اليد، كنا نجالس المعلمين والحلاقين و سماسرة بيع السيارات و سماسرة كراء الشقق وكنا نستمع إليهم ونحول كلامهم إلى مادة صحافية ولا أنكر أن من بين هؤلاء من أصبحوا فيما بعد صحافيين معروفين في مدن القنيطرة والرباط و غيرها من المدن، كانت الصحافة حينها مهنة تعلم بالاحتكاك وبالشارع وبالصبر.
واستمر هذا الحال لسنوات طويلة إلى أن ظهر الذكاء الاصطناعي بشكل علني للعالم سنة 2022 مع إطلاق نماذج الكتابة التوليدية، منذ ذلك التاريخ تغير المشهد بشكل جذري وأصبح الكل كاتبا، أصبح الصحافي المهني ومدير النشر وصاحب الموقع الإلكتروني يكتب بنفس الأداة ونفس الأسلوب ونفس الجمل الجاهزة اختلط الحابل بالنابل ولم يعد القارئ يميز بين مقال حرر بعد يوم كامل من البحث الميداني ومقال أنتج في ثلاثين ثانية فوق شاشة هاتف.
الصحافة التي عرفتها في التسعينات كانت تعتمد على الحضور، كنا نذهب إلى عين المكان ونسمع ونكتب و نصحح، اليوم أصبحت تعتمد على أمر واحد هو إعطاء تعليمات لآلة، اكتب لي مقالا عن الأمن واكتب لي مقالا عن شهداء الواجب واكتب لي افتتاحية تمجد المسؤول، الآلة تكتب والصحافي يوقع باسمه.
المشكل ليس في الآلة بل في من يستعملها بلا ضمير مهني، الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ولكن حين يتحول إلى بديل عن العقل والقدم والتواجد في الميدان فإنه يفرغ المهنة من محتواها لهذا أصبحنا نقرأ نفس المقال في عشرات المواقع بنفس المقدمة ونفس الخاتمة و نفس الأخطاء اللغوية التي تتركها الآلة.
ما أكتبه اليوم ليس حنينا إلى ورق السكر بل تنبيها إلى أن المهنة التي بدأت فيها مع المعلمين والحلاقين و سماسرة السيارات كانت أصدق من كثير مما ينشر اليوم، كنا ننقل الواقع كما هو أما اليوم فالواقع ينقل كما تريده الخوارزميات.
تصبحون على تغيير