هل وصل إلى علم عامل عمالة أنفا؟ الأطفال المشردون ينامون في أزقة المدينة القديمة وتقارير السلطات المحلية حبيسة مكتب مدير الديوان
الأخبار المغربية
الدارالبيضاء – الصورة لا تكذب، ستة أطفال يفترشون رصيفا في المدينة القديمة بالدارالبيضاء، أجساد صغيرة ملفوفة بأغطية بالية متلاصقة إلى جانب أبواب محلات مغلقة، وجوه أنهكها التشرد وليل طويل بلا مأوى، هذا المشهد لم يعد استثناء، ظهر في الشهور الأخيرة و تكرر في أركان متعددة، نهار كامل في تجوال وتيه وليلا تجمع وافتراش للأرض في وضعية تمس كرامة الإنسان قبل أن تمس كرامة العاصمة الاقتصادية.
هؤلاء ليسوا أرقاما في تقرير اجتماعي، هم أطفال ذكورا و إناثا، بعضهم لم يتجاوز بعد سن التمدرس، وبعض الإناث ظهرت عليهن علامات الحمل، حمل سفاح في الشارع يعني ولادة بلا هوية وطفلا جديدا بلا أب وبلا أم وبلا مستقبل، وهذا هو الجزء الأشد مرارة في القصة، نحن لا نتحدث فقط عن أطفال ضائعين اليوم، نتحدث عن أجيال ستولد غدا خارج القانون و خارج المدرسة و خارج أي إطار، قنابل موقوتة تمشي على قدمين في قلب المدينة القديمة.
فالسيد عامل عمالة مقاطعات الدارالبيضاء أنفا هو المسؤول الأول إداريا وأمنيا واجتماعيا عن تراب العمالة، اللهم إلا إذا كان مدير الديوان لا ينقل إليه أخبار أطفال الشوارع المتشردين، وحينها تكون الكارثة مضاعفة، أطفال في الشارع ومسؤولون في عزلة عن الواقع، أين السلطة المحلية وأين الجمعيات المدنية التي ترفع شعارات حماية الطفولة، أين مراكز الإيواء والتأهيل التي يفترض أن تستقبل هؤلاء، أين فرق البحث الاجتماعي التي من مهامها إرجاع الطفل إلى حضن أسرته أو إلى مقاعد الدراسة مع أقرانه، الغياب شبه تام والتحرك شبه معدوم وكأن هؤلاء الأطفال غير موجودين أو كأن الشارع صار حلا مقبولا لمشكل معقد، لا يمكن اختزال الظاهرة في الفقر فقط، هناك تفكك أسري وهناك هدر مدرسي و هناك إهمال مؤسساتي وهناك فراغ قانوني، الطفل الذي ينام في الشارع اليوم هو مشروع جانح الغد، الطفلة الحامل في الشارع اليوم هي أم لطفل سيولد بلا عقد ازدياد وبلا تسجيل وبلا حق في الصحة والتعليم، النتيجة الحتمية هي جريمة وهشاشة وانحراف وتكلفة اجتماعية سيدفعها المجتمع كله بعد سنوات.
المدينة القديمة ليست منطقة منسية هي قلب الدارالبيضاء النابض ووجهتها السياحية و واجهتها التاريخية، وحين يرى السائح والمواطن أطفالا ينامون على الأرض تحت لافتات المحلات فإن الصورة التي تصل عن الدولة تكون أقسى من أي خطاب الحل لا يحتاج إلى خطط خمسية، يحتاج إلى إرادة فورية، فرق مشتركة من الأمن الوطني و السلطات المحلية والتعاون الوطني ووزارة التضامن تجوب النقاط السوداء ليلا. إحصاء دقيق لكل طفل مشرد، فتح مراكز إيواء مؤقتة مع تأهيل نفسي و اجتماعي، إعادة التمدرس الإجباري، تتبع حالات الحمل القاصر وتفعيل المساطر القانونية لحمايتها، ومحاسبة كل جهة تخلت عن مسؤوليتها.
اللهم إنا بلغنا، هذه ليست مجرد عبارة ختام في تدوينة، هذا نداء استغاثة، لأن ترك هؤلاء الأطفال اليوم هو جريمة نرتكبها جميعا بحق الغد، لأن الطفل الذي لا يحتضنه الوطن اليوم سيصبح عبئا على الوطن غدا.
تصبحون على تغيير
