إلى من يهمه أمر البلاد…حين تهترئ الراية المغربية فوق المؤسسات

الأخبار المغربية

المغرب أولا – ليست كل الإهانات التي تطال الرموز الوطنية صاخبة حتى تستحق الانتباه، بعضها يحدث في صمت كامل و تحت أعين الجميع، لا أحد يمزق العلم أمام الكاميرات و لا أحد يرفعه في مواجهة الدولة ولا أحد يعلن رفضه له، أحيانا يكفي أن يظل معلقا فوق بناية عمومية وهو باهت اللون أو ممزق الأطراف أو مستهلكا بفعل الزمن حتى يصبح الإهمال نفسه شكلا من أشكال الإساءة إلى رمز يفترض أن يكون فوق كل اعتبار.

المفارقة أن الراية التي يتسابق الجميع إلى رفعها في المناسبات الوطنية و الاحتفالات الرسمية قد تتحول في الأيام العادية إلى تفصيل إداري لا يستوقف أحدا، تمر أمامها عشرات الوجوه يوميا، يدخل الموظفون إلى مكاتبهم و يخرجون منها، يقصد المواطنون الإدارات لقضاء مصالحهم، تمر سيارات المسؤولين والحراس و الموظفين من أمامها، ومع ذلك قد تظل الراية في حالتها المتردية دون أن تمتد إليها يد لتغييرها أو حتى عين لتسأل عن سبب بقائها.

وهنا لا تعود المسألة مجرد قطعة قماش أكلتها الشمس و الرياح، عندما تفقد المؤسسات حساسيتها تجاه رمز يفترض أن يجسد الدولة والوطن، هذه ليست حكاية راية واحدة ولا قضية مؤسسة واحدة، إنها نافذة مفتوحة على ظاهرة تستحق أن تخضع للنقاش والمساءلة، رايات وطنية باهتة أو ممزقة يمكن أن يصادفها المواطن فوق بعض المرافق العمومية وفي محيط مؤسسات يفترض أن تكون في مقدمة المدافعين عن احترام رموز الدولة، وفي المقابل غياب واضح أحيانا عن أبسط مظاهر المتابعة و المراقبة و العناية، والأكثر إثارة للقلق أن الأمر قد يبدأ من الإهمال و ينتهي بالتطبيع معه، فعندما يرى الموظف الراية الممزقة ولا يتحرك وعندما يمر المسؤول من أمامها دون أن ينتبه وعندما يلاحظ المواطن ذلك ثم يعتبره أمرا عاديا فإننا لا نكون أمام مشكلة راية فقط وإنما أمام تراجع تدريجي في الإحساس بأن الرموز الوطنية جزء من المسؤولية اليومية للمؤسسة العمومية.

لقد أصبحت الوطنية في النقاش العام مرتبطة في كثير من الأحيان بالأسعار و القدرة الشرائية وعيد الأضحى و الملفات الاجتماعية والاقتصادية و السياسية الكبرى، و هي كلها قضايا وطنية حقيقية لا يمكن التقليل من أهميتها، لكن هل يمكن أن تكون الوطنية حاضرة فقط عندما تمس حياتنا اليومية وجيوبنا ومصالحنا المباشرة ثم تغيب عندما يتعلق الأمر بالرموز التي تختصر معنى الوطن الوطنية ليست موسما، و ليست شعارا يرفع في المناسبات ثم يترك في باقي الأيام يواجه الإهمال.

الوطنية أيضا أن تنظر إلى العلم فوق مؤسسة عمومية فتشعر أن حالته تعنيك، أن ترى فيه رمزا للدولة وليس قطعة قماش معلقة بحكم العادة، وأن تدرك أن المحافظة عليه ليست مهمة شخص مجهول في إدارة ما وإنما مسؤولية جماعية تبدأ من أبسط موظف ولا تنتهي عند أعلى مسؤول.

ومن هنا تبدأ حكاية “الأخبار المغربية” مع راية وطنية رصدها مراسلها فوق مستوصف طبي بالحي الحسني و هي في حالة لا تليق برمزيتها، لم يتعامل المراسل مع المشهد باعتباره صورة عابرة تستحق النشر على مواقع التواصل الاجتماعي ثم تنتهي القصة، حاول التنبيه إلى الأمر و انتظر أن تتم معالجة الوضع، لكنه عاد بعد أيام ليجد أن المشهد لم يتغير، عند هذه النقطة تحديدا تحولت الراية من مجرد صورة إلى قضية صحافية، لأن الأمر لم يعد فقط لماذا اهترأت الراية و إنما لماذا بقيت على حالها بعد التنبيه إليها؟ ولماذا يحتاج المواطن إلى لفت الانتباه إلى أمر يفترض أن يكون واضحا لكل من يعمل داخل مؤسسة عمومية ولماذا يمكن أن تتحول ملاحظة تتعلق برمز وطني إلى مصدر استغراب أو استهزاء بدل أن تكون مناسبة للتصحيح الفوري؟ ثم اتسعت دائرة الواقعة عندما توجه المراسل إلى دائرة أمنية قريبة بحثا عن التعامل مع الموضوع من منظور مؤسساتي قبل أن يجد نفسه أمام وقائع أخرى تستحق بدورها التحقق و التدقيق والاستماع إلى جميع الأطراف والرجوع إلى ما يمكن أن تقدمه كاميرات المراقبة من معطيات موضوعية.

في “الأخبار المغربية” لا نريد أن نصدر أحكاما جاهزة ولا أن ندين موظفا أو مؤسسة قبل اكتمال عناصر التحقق، ما نريده هو شيء أبسط و أعمق في الوقت نفسه، أن نعرف أين تبدأ المسؤولية و أين ينتهي الإهمال.

فإذا كانت الدولة تضع رموزها في قلب المؤسسات العمومية فمن الطبيعي أن تكون هذه المؤسسات أول من يحافظ عليها، وإذا كان المواطن مطالبا باحترام العلم الوطني فمن حقه أيضا أن يراه مرفوعا في وضع يليق به فوق الإدارات والمرافق التي تمثل الدولة أمامه، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي رمز ليس فقط الإساءة المباشرة إليه وإنما أن يتحول إهماله إلى مشهد مألوف لا يثير أحدا.

وهنا بالضبط يبدأ التحقيق

قد يعجبك ايضا
Loading...