الأخبار المغربية
المملكة – الكل ينتقد، والكل يسخر، والكل يستغرب من قصة الشابة المغربية وفاء عتيد، التي عبرت سباحة إلى سبتة المحتلة، ثم ظهرت في وسائل إعلام إسبانية تتحدث عن ظروفها ورغبتها في عدم العودة إلى المغرب، وبعد ذلك انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور ومعلومات عن حياة سابقة عاشتها في قطر ودبي وتركيا وغيرها، فلماذا يهاجر شخص كانت لديه الإمكانيات للعيش و السفر و التنقل بين البلدان؟ هل المال وحده يجعل الإنسان يشعر بالأمان و الكرامة والحرية؟.
من السهل أن نحكم على إنسان من الصور التي نشرها في الماضي، أو من الفنادق و الطائرات والسيارات التي ظهر بجانبها، لكن الحياة التي يراها الناس على مواقع التواصل ليست بالضرورة الحياة التي يعيشها الإنسان من الداخل، وقد يكون الإنسان محاطا بالمال و الرفاهية، لكنه يشعر في الوقت نفسه بالاختناق أو الخوف أو فقدان الأمل.
نعم، إذا ثبت أن شخصا أساء إلى وطنه أو افترى عليه أو قدم ادعاءات غير صحيحة من أجل تحقيق مصلحة شخصية، فمن حق المجتمع أن يناقش ذلك وينتقده، لكن في المقابل، لا يجوز أن يكون النقد ذريعة لإغلاق باب الأسئلة الحقيقية التي يطرحها آلاف المغاربة حول العدالة والحقوق وعلاقة المواطن بالإدارة والسلطة، و هنا يجب أن نكون صريحين، الدولة تتحمل مسؤولية كبيرة عندما يشعر المواطن أن حقه لا يصل إليه، أو أن صوته لا يسمع، أو أن الإدارة تحولت من فضاء لخدمة المواطن إلى فضاء يخشاه المواطن، هناك شكاوى متكررة في المجتمع حول التعقيدات الإدارية، وتأخر الملفات، والنزاعات داخل بعض الإدارات، والشعور بعدم الإنصاف، إضافة إلى قضايا أكثر خطورة تتعلق بالعنف و الاعتداء والاحتجاز و التهديد و التشهير والتحرش، وهي قضايا يجب أن تبحث كل واحدة منها وفق القانون وبأدلة واضحة، لا بالتشهير و لا بالأحكام المسبقة.
ومن أخطر الملفات التي تحتاج إلى نقاش جدي مسألة اتهام المواطنين بإهانة موظف أثناء وجودهم في الإدارات أو المحاكم أو مراكز الأمن أو المؤسسات الصحية، حماية الموظف من الاعتداء والإهانة أمر مشروع، لكن حماية الموظف لا تعني أن يتحول القانون إلى وسيلة لإسكات المواطن عندما يحتج أو يطالب بحقه، الموظف له كرامته، والمواطن كذلك له كرامته.
والمطلوب ليس إلغاء حماية الموظفين، وإنما ضمان أن تكون كل شكوى موضوعية، وأن يتم التحقق من الوقائع والأدلة، وأن لا تتحول الخلافات اليومية داخل الإدارات إلى اتهامات جنائية لمجرد أن المواطن رفع صوته أو احتج على معاملة يراها غير عادلة، الاحتجاج ليس جريمة، والمطالبة بالحق ليست إهانة، هذه المعادلة هي التي تصنع دولة القانون، وإذا أردنا أن نفهم لماذا يخاطر بعض الشباب، ذكورا وإناثا، بحياتهم في البحر، فلا يكفي أن نقول إنهم فقراء أو عاطلون أو يبحثون عن المال، فقد يكون المال موجودا، وقد يكون العمل موجودا، وقد يكون الشخص عاش في ظروف مادية أفضل من غيره، ومع ذلك يشعر بأن مستقبله مغلق.
ما يبحث عنه كثير من الناس ليس فقط راتبا أكبر، وإنما الإحساس بأن حقوقهم محمية، وأن القانون يطبق عليهم وعلى غيرهم، وأن الإدارة تحترمهم، وأن الشكوى يمكن أن تجد طريقها إلى العدالة، وأن الخطأ يمكن تصحيحه دون خوف من الانتقام أو التضييق، ما حدث يا مسؤولين في الفنيدق و مناطق أخرى من الشمال يجب أن يدفعنا إلى التفكير بجدية، عندما يخاطر شاب بحياته في البحر، رغم امتلاكه هاتفا وملابس جيدة أو سيارة أو دراجة نارية أو حتى مشروعا صغيرا، فإن اختزال قراره في الفقر وحده لا يقدم لنا الحقيقة كاملة.
الهجرة غير النظامية في كثير من الأحيان ليست بحثا عن المال فقط؛ إنها أيضا بحث عن الأمل، وهنا تتحمل الدولة مسؤوليتها، ليس لأنها مسؤولة عن كل قرار فردي يتخذه مواطن، وإنما لأنها مسؤولة عن بناء مؤسسات تجعل المواطن يشعر بأن مستقبله يمكن أن يبنى داخل وطنه، و أن كرامته مصانة، و أن القانون يحميه، وأن أبواب الإدارة مفتوحة أمامه، أما اختزال القضية في مهاجمة الفتيات أو الشباب أو اتهامهم بأنهم ضحايا “التحرر” أو أنهم فقدوا الأخلاق والحياء، فلن يحل المشكلة، المجتمع يحتاج إلى القيم والأسرة و التربية والمسؤولية، نعم، لكن هذه القيم لا يمكن أن تكون بديلا عن العدالة، لا يمكن أن نطلب من الشاب أن يبقى في وطنه ثم لا نوفر له شعورا حقيقيا بالإنصاف، ولا يمكن أن نطالب المرأة بالصبر على أي ظلم باسم الأسرة أو المجتمع، ولا يمكن أن نقول للمواطن “ثق في المؤسسات” ثم نتركه، عندما يختلف مع إدارة أو موظف، يشعر بأن صوته لا قيمة له.
الأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، والمجتمع مسؤول، و الإعلام مسؤول، لكن الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر في ضمان القانون والعدالة و حماية الحقوق والحريات، المغرب لا يحتاج فقط إلى طرق ومستشفيات ومشاريع و استثمارات؛ يحتاج أيضا إلى بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، نحتاج إلى إدارة تحترم المواطن، و شرطة تحميه وتحترم القانون، وقضاء مستقل و فعال، وآليات واضحة للتظلم، وتحقيق جدي في شكاوى الاعتداء و الاحتجاز والتهديد والتحرش، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون، أيا كان موقعه.
وفي المقابل، يحتاج المجتمع أيضا إلى مواطن مسؤول يعرف حقوقه وواجباته، و يحتج دون عنف، وينتقد دون تشهير، ويطالب بحقه دون الاعتداء على الآخرين.
أما قصة وفاء عتيد، فلا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مادة للسخرية أو إلى معركة بين من يصفق لها ومن يهاجمها، الأهم أن تتحول إلى مناسبة لطرح سؤال أكبر ماذا يجعل إنسانا يترك بلده، حتى عندما لا يكون فقيرا ويخاطر بحياته بحثا عن مكان يشعر فيه بأنه قادر على بدء حياة جديدة؟ إذا كان الجواب دائما هو “إنه مخطئ” فلن نفهم شيئا أما إذا سألنا أيضا ماذا فعلت المؤسسات حتى يشعر هذا الإنسان بأن له مستقبلا وحقوقا وكرامة داخل وطنه؟ فربما نبدأ أخيرا في معالجة أصل المشكلة.
يا مسؤولين، الهجرة ليست كلها خيانة للوطن، كما أنها ليست كلها بطولة، والدفاع عن الوطن لا يعني الدفاع عن كل خطأ يقع داخله، حب المغرب الحقيقي يقتضي أن ننتقد ما يحتاج إلى إصلاح، و أن ندافع عن المواطن عندما يظلم، وأن نحاسب المواطن عندما يعتدي، وأن نحاسب المسؤول عندما يتجاوز القانون، الوطن القوي ليس هو الوطن الذي لا يسمح لأبنائه بالكلام، وإنما الوطن الذي يجعل أبناءه لا يجدون سببا للمخاطرة بحياتهم من أجل الهروب منه.
الظلم ظلمات غدا يوم القيامة