الأخبار المغربية
المغرب – في زمن باتت فيه الصورة تتقن فن الإبهار حد الخداع، يطل المسلسل البوليسي «K1» على شاشة القناة الثانية كعمل يفترض أنه يغوص في دهاليز العمل الأمني بالمغرب، كاشفا خبايا التحقيقات وتشابكات الجريمة، غير أن ما تكشفه المشاهدة المتأنية لا يوازي ما يفترض أن يحمله هذا النوع من الدراما من عمق وصدق، بل يثير أسئلة مشروعة حول طبيعة الرهانات الفنية التي تحكم هذا الإنتاج، وحدود العلاقة بين الشكل و المضمون، منذ اللقطات الأولى، يتضح أن العمل يضع ثقله في كفة الإخراج البصري، مستندا إلى أسماء لها حضورها في المشهد السمعي البصري المغربي، غير أن هذا الحضور، بدل أن يشكل رافعة للعمل، أفرز نوعا من التنافر الأسلوبي، حيث تتجاور رؤى إخراجية متعددة دون أن تنصهر في نفس موحد، والنتيجة، عمل يبدو وكأنه مركب من مقاطع متفاوتة الروح، تفتقر إلى ذلك الخيط الدرامي الذي يشد المتلقي ويمنحه إحساسا بالانسجام.
على مستوى البناء الدرامي، يلاحظ المتتبع أن السرد يعاني من ارتباك واضح، فالأحداث تتقدم ببطء حينا، وتقفز بشكل مفاجئ حينا آخر، دون مبررات درامية مقنعة، هذا الاضطراب لا يضعف فقط من إيقاع العمل، بل يفقده قدرته على خلق التوتر الضروري لأي عمل بوليسي، حيث يفترض أن تكون كل تفصيلة خيطا يقود إلى كشف أكبر، أما الحوار، الذي يعد العمود الفقري لأي عمل درامي، فيبدو هنا وكأنه غريب عن بيئته، اللغة المستعملة لا تعكس خصوصية الواقع المغربي، ولا تنبض بإيقاع الحياة اليومية، بل تأتي أقرب إلى تعبيرات مصطنعة تفتقر إلى العفوية والحمولة الثقافية، هذا الانفصال بين الشخصيات ولسانها يخلق مسافة نفسية بين العمل والمشاهد، تفقده التعاطف والانخراط.

الأداء التمثيلي، بدوره، لم يسلم من تبعات هذا الضعف البنيوي، لأن الممثل، مهما بلغت خبرته، يظل أسير النص الذي يمنح له، وحين يكون هذا النص فاقدا للعمق، فإن الأداء يتحول إلى مجرد تنفيذ تقني، يخلو من تلك الشرارة التي تمنح الشخصية روحها، لذلك نلحظ تذبذبا في الإحساس العام، حيث تتجاور لحظات مقبولة مع أخرى باهتة لا تترك أثرا يذكر، ولا يمكن إغفال الحضور الطاغي لعناصر الرفاهية داخل العمل، من فضاءات مصقولة إلى تفاصيل مادية تعرض بإلحاح لافت، هذا الاختيار الجمالي، بدل أن يخدم الواقعية، يخلق عالما موازيا أقرب إلى التخييل المترف منه إلى بيئة العمل الأمني كما يعرفها المواطن.
فهل نحن أمام محاولة لتجميل الواقع، أم أمام انفصال واع عنه؟ من زاوية استقصائية، يبدو أن «K1» يعكس توجها أوسع داخل بعض الإنتاجات التلفزيونية، حيث يتم الاستثمار في الصورة كأداة جذب أولى، على حساب الكتابة الدرامية التي تشكل جوهر أي عمل فني، هذا الميل قد يفسر بضغوط السوق، أو برغبة في مواكبة نماذج أجنبية، لكنه في النهاية يضعف الهوية المحلية و يجعل العمل فاقدا لفرادته.
إن هذا المسلسل يطرح إشكالية جوهرية تتجاوز حدوده كعملٍ فني، لتلامس مستقبل الدراما البوليسية في المغرب.
تصبحون على تغيير