مالي تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء تحت شعار “اختيار الواقعية على الأوهام”

إساك هموش

هناك قرارات سياسية تتجاوز مجرد الدبلوماسية، ومنها اعتراف مالي بسيادة المغرب على الصحراء، هذا ليس عملاً معزولاً، ولا صدفة، بل يعكس تحولاً أعمق، تحولاً لإفريقيا التي بدأت تواجه الواقع متجاوزةً الخطابات الأيديولوجية والصراعات الممتدة لعقود.

تمر مالي حالياً بفترة عصيبة، تشهد عدم استقرار أمني، و توترات داخلية، وتغيرات في التحالفات الدولية… في هذا السياق، لكل خيار أهميته، وهذا الخيار تحديداً بالغ الأهمية، فابعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، لا تتخذ باماكو خياراً دبلوماسياً فحسب، بل خياراً استراتيجياً، يكاد يكون وجودياً. إنها تختار التحالف مع شريك مستقر وجدير بالثقة، شريك ملتزم بتعهداته ،

لأن السؤال في نهاية المطاف بسيط من في إفريقيا اليوم قادرٌ حقاً على تقديم فرص تعاون جادة ومستدامة وقائمة على احترام السيادة الوطنية ؟ لسنوات طويلة أثبت المغرب أنه لا يكتفي بالكلام المعسول. بل بتفعيل مجالات الاستثمارات، والتعاون الديني، والحضور الإقتصادي، مع دبلوماسية فعّالة… الرباط اليوم حاضرة بقوة على أرض الواقع، تتخذ خطوات ملموسة، بينما يكتفي كثيرون آخرون بالتظاهر.

إن اعتراف مالي بسيادة المغرب على الصحراء الكبرى يُبرز حقيقةً ما يزال البعض يرفض الاعتراف بها وهي أن الخطاب المحيط بهذه القضية يتلاشى، ببطء ولكن بثبات ، ولم تعد الشعارات كافية، والتحالفات المبنية على الأيديولوجيا تُظهر قصورها في مواجهة تحديات حقيقية – كالإرهاب والتنمية والاستقرار – وتسعى الدول الأفريقية الآن إلى إيجاد شركاء موثوقين، لا إلى قضايا مجردة لذا فإن هذا الخيار المالي يبعث برسالة واضحة إلى من يواصلون تأجيج هذا الصراع لأن الأوضاع تتغير أمام من لا يزالون يشكون في الخطوط الفاصلة التي تتغير وإلى من يراقب الدينامية الجديدة التي تتشكل في القارة السمراء.

لا يعني هذا أن كل شيء قد استقر ، فالحسابات الجيوسياسة الأفريقية لا تزال معقدة ومتغيرة، وأحيانًا غير قابلة للتنبؤات . لكن ثمة أمر مؤكد وقرارات حكيمة كقرار مالي الذي أسهم في توضيح الأمور تدريجيًا، بالعودةٌ إلى الواقع. وفي هذا التحول، يبرز المغرب بشكلٍ متزايد كركيزةٍ أساسية. ليس مثاليًا بالطبع، لكنه مستقر ومتماسك، والأهم من ذلك، ملتزمٌ بالمستقبل البعيد. وفي منطقةٍ بات فيها عدم الاستقرار هو السائد، وهذا ما يحدث الفرق الشاسع في نهاية المطاف، وما تُظهره مالي اليوم ربما هو ببساطة أنه في مرحلةٍ ما يتعين على الدول الاختيار بين أوهام الماضي وحقائق الحاضر. وقد اختارته اليوم باماكو.

قد يعجبك ايضا
Loading...