الأخبار المغربية/ عبدالمجيد مصلح
المغرب أولا – تظل المساجد في المملكة المغربية فضاءات مقدسة للعبادة والتربية الروحية، ومراكز لتعليم القرآن الكريم وترسيخ قيم المساواة بين المسلمين، في بيت الله يقف الجميع صفا واحدا، لا فرق بين مسؤول ومواطن بسيط، و لا بين غني وفقير، غير أن بعض الممارسات التي بدأت تظهر في بعض المساجد تثير تساؤلات متزايدة لدى عدد من المصلين حول مدى احترام هذه المبادئ.
من بين هذه الظواهر ما يتعلق بالصف الأول في الصلاة، الذي أصبح في بعض الأحيان شبه محجوز لفئة معينة من المقربين والمعارف وبعض المسؤولين، وهو ما يخلق حالة من الاستياء لدى مصلين يأتون مبكرا إلى المسجد لكنهم يجدون أنفسهم في الصفوف الخلفية، في مشهد يتناقض مع روح المساواة التي يفترض أن تسود داخل بيوت الله.
يلاحظ رواد مسجد “الأندلس” ظاهرة أخرى تتمثل في التصوير المستمر داخل المسجد، حيث يتم توثيق مختلف الأنشطة من أداء الصلوات إلى قراءة القرآن الكريم و نشرها عبر المنصات الرقمية، ويرى عدد من المتابعين أن الهدف من ذلك هو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة و الاستفادة من عائدات الإعلانات الرقمية، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود تحويل الفعل التعبدي إلى مادة للنشر و الترويج، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:”خيركم من تعلم القرآن وعلمه” في إشارة واضحة إلى أهمية نشر العلم القرآني وتعليمه للأجيال، غير أن بعض المصلين يتساءلون عن سبب بقاء الإمامة في مسجد “الأندلس” حكرا على نفس الوجوه (الكوشي+مصطفى+رضوان) طوال السنة، دون فتح المجال أمام شباب حافظين للقرآن أو مواهب جديدة داخل أحياء أناسي والأحياء المحيطة بالمسجد.
وفي المقابل، تقدم مساجد عديدة في مختلف مناطق المملكة نموذجا متميزا في رعاية الناشئة، حيث يتم تحفيظ الأطفال القرآن الكريم وتعليمهم أحكام التجويد، بل ويمنح بعضهم فرصة التلاوة في صلاة التراويح خلال شهر رمضان، وهي تجربة تربوية تعزز ارتباط الأطفال ببيوت الله وتشجعهم على مواصلة حفظ القرآن الكريم.
ومن بين الملاحظات التي يثيرها بعض المصلين أيضا غياب الطريقة المغربية الأصيلة في تلاوة القرآن داخل مساجد الدارالبيضاء الكبرى، رغم أنها جزء من الهوية الدينية للمملكة وتاريخها الروحي العريق.
ولا تتوقف التساؤلات عند هذا الحد، بل تمتد إلى طريقة تدبير بعض المبادرات التضامنية خلال شهر رمضان، فالمعروف أن عددا من المحسنين (…) و شركات المياه المعدنية تقدم كميات من قنينات الماء في إطار أعمال الخير خلال هذا الشهر الفضيل، بهدف توزيعها على الصائمين عند وقت الإفطار، أي لحظة أذان المغرب، غير أن ما يحدث في مسجد “الأندلس” هو أن جزءا يسيرا فقط يتم توزيعه خلال صلاة العشاء، بينما لا يستفيد الصائمون منه في اللحظة التي يحتاجون إليه فعلا عند الإفطار، هذا الوضع يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية تدبير هذه المبادرات الخيرية، و مدى احترام الغاية التي من أجلها تم تقديم هذه المساعدات.
وفي ظل هذه الملاحظات المتزايدة، يطرح العديد من المصلين سؤالا أساسيا أين دور الجهات الوصية في مراقبة تدبير المساجد؟ فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتحمل مسؤولية الإشراف الديني وتنظيم شؤون المساجد، كما أن السلطات المحلية التابعة لوزارة الداخلية تلعب دورا في المتابعة و التنسيق لضمان احترام الضوابط المعمول بها داخل هذه الفضاءات الدينية.
إن الحفاظ على قدسية المسجد يقتضي اليقظة والحرص على احترام قيم المساواة والإخلاص، وتشجيع تعليم القرآن للأجيال الصاعدة، وضمان حسن تدبير المبادرات الخيرية، فبيوت الله لم تبن لتكون فضاءات للامتيازات أو الاستعراض، بل لتظل منارات للعبادة والتربية الروحية و خدمة المجتمع.
يبقى الأمل أن تعود هذه القيم إلى الواجهة، حتى يبقى المسجد كما عرفه المغاربة عبر تاريخهم، فضاء للخشوع و مدرسة للأخلاق، وبيتا مفتوحا للجميع دون استثناء.
عاش الملك عاش عاش عاش