“أنفا الرقمية” شقق بلا أبواب وكراء بلا وجوه وغياب فاضح للمراقبة

الأخبار المغربية

الدار البيضاء – لم تعد الدارالبيضاء الراقية كما يروج لها في الكتالوجات العقارية، في قلب أنفا وعلى امتداد شارع أنفا وحي ݣوتي وحي بوركون وشارع الزرقطوني تحولت بعض الشقق من مساكن عائلية إلى محطات عبور يومي يتم تدبيرها بالكامل عن بعد، لا توقيع ولا لقاء ولا حارس عمارة ولا حتى مفتاح تقليدي، الحجز يتم عبر تطبيقات ومنصات إلكترونية والدفع يتم تحويلا بنكيا و الكود يصل للزبون في رسالة قصيرة يفتح به باب العمارة ويشغل به المصعد ويدخل به إلى الشقة التي استأجرها لساعات أو ليوم أو لأسبوع.

الواجهة الزجاجية للأبراج الجديدة في أنفا تخفي في داخلها اقتصادا موازيا يشتغل 24 ساعة، الشقق المفروشة التي كان من المفترض أن تكون للكراء السياحي القانوني تحولت إلى فضاءات للإيجار قصير المدى بلا أي رقابة أو تصريح، أصحابها لا يسكنون فيها ولا يسكن فيها جيران يعرفون بعضهم، يأتي الغرباء ويغادرون ويأتي غيرهم بنفس الكود ونفس الطريقة، العمارة التي كان يميزها الهدوء وسكانها المعروفون أصبحت فندقا مفتوحا لا اسم له ولا سجل، هذا النموذج الجديد للكراء خلق فراغا أمنيا واجتماعيا واضحا، غياب المالك وغياب الحارس وغياب أي علاقة مباشرة بين المؤجر و المستأجر جعل من هذه الأحياء أرضا خصبة لكل الممارسات التي لا تحتمل الضوء، ما بدأ كتسهيل للسياحة الداخلية تحول إلى استغلال ممنهج للعقار في أنشطة مشبوهة، السكان الأصليون في حي بوركون وحي ݣوتي وشارع الزرقطوني يشتكون من حركة غريبة ليلا ونهارا ومن دخول أشخاص لا تربطهم أي صلة بالعمارة ومن ضجيج و من نفايات تترك عند الأبواب. الأمن لا يملك لائحة بأسماء النزلاء لأن لا أحد يمسكها، و الشرطة لا تستطيع التدخل إلا بعد وقوع الجريمة لأن الوقاية غائبة أصلا، الخطورة لا تكمن فقط في ما يحدث داخل الشقق بل في الفكرة نفسها، فكرة أن المال يمكنه أن يشتري خصوصية مدينة بأكملها دون أن يترك أثرا. فكرة أن التكنولوجيا التي كان من المفترض أن تنظم الحياة صارت أداة للالتفاف على القانون، الحجز عن بعد وأداء الواجب إلكترونيا و إرسال الكود لتشغيل المصعد كلها تبدو خدمات عصرية لكنها في الواقع نزع للمسؤولية، لا أحد يسأل من أنت ولا لماذا جئت ولا مع من أنت؟ القانون المغربي واضح بخصوص الكراء السياحي و يشترط التصريح والمراقبة الصحية والأمنية وتسجيل النزلاء لدى السلطات، لكن ما يقع بتراب عمالة مقاطعات أنفا هو التفاف كامل على هذا القانون باستعمال ثغرة “الكراء بين الأفراد” وبتغطية من منصات لا تسأل ولا تراقب، النتيجة أن أحياء كانت بالأمس عنوانا للاستقرار العائلي صارت اليوم سوقا مفتوحا للكراء العشوائي.

المشكل ليس في التكنولوجيا المشكل في من يستعملها لتهريب النشاط من تحت أعين الدولة وفي من يفضل مدخول اليوم على أمن الحي لسنوات، وفي من حول شارع أنفا من عنوان للهيبة إلى عنوان للاستعجال و السرية.

السلطات المحلية والأمنية مطالبة اليوم بمراجعة هذا الملف قبل أن يتفاقم، تسجيل إلزامي لكل شقة مؤجرة، ربط المنصات الإلكترونية بقاعدة معطيات الأمن، تفعيل دور اتحاد الملاك في مراقبة من يدخل ويخرج، لأن ترك الأمور على حالها يعني ببساطة أننا سلمنا مفاتيح أحيائنا الراقية لخوارزمية لا تعرف من يسكن ومن يجرم.

أنفا لم تكن يوما مجرد إسمنت وزجاج، كانت عنوانا لنمط عيش، واليوم هذا النمط يباع بالكود وبالدقيقة.

تصبحون على تغيير

قد يعجبك ايضا
Loading...