
الأخبار المغربية
الرباط – لم يعد النقاش السياسي في المملكة المغربية، يدور فقط حول من سيفوز في الانتخابات، بل حول جدوى العملية برمتها، فمع توالي الاستحقاقات، يتكرس شعور عام بأن التنافس الحزبي لم يعد قادرا على إنتاج حلول ملموسة بقدر ما يعيد تدوير نفس الوجوه والخطابات، وبين ضجيج الحملات وغياب الأثر على حياة المواطنين، يتعمق الإحساس بأن الخلل لم يعد ظرفيا، بل بنيويا يمس طبيعة النموذج السياسي نفسه.
ما يكشفه الواقع الميداني هو أن جزءا كبيرا من النقاش العمومي ينصرف نحو مظاهر سطحية، كالصراعات الشخصية أو الاتهامات المتبادلة، بدل مساءلة عمق الإشكال، التجربة خلال السنوات الأخيرة توحي بأن منطق الولاءات ما زال يتقدم على منطق الكفاءة، وأن آليات اختيار النخب داخل عدد من التنظيمات الحزبية لا تزال بعيدة عن معايير الاستحقاق و الشفافية، الأخطر من ذلك أن تعددية الأحزاب، التي يفترض أن تكون مصدر غنى ديمقراطي تحولت في كثير من الأحيان إلى حالة من التشتت تضعف القدرة على بلورة رؤى استراتيجية واضحة، يصبح معها التنافس شكليا، وتفقد السياسة معناها كأداة للتغيير. في هذا السياق، لا يبدو مستغربا أن تتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، وأن يبحث المواطن عن بدائل أكثر نجاعة، هنا يبرز طرح الحكومة التكنقراطية ليس كشعار نظري، بل كخيار عملي فرضته تجارب دولية متعددة، ففي أوقات الأزمات أو التحولات الكبرى، لجأت دول مثل إيطاليا و اليونان إلى حكومات يقودها خبراء مستقلون لإعادة التوازن للاقتصاد واستعادة ثقة الأسواق والمؤسسات، هذه النماذج أظهرت أن إدارة الملفات المعقدة كالمالية العمومية، والاستثمار، و الإصلاحات الهيكلية، تتطلب في كثير من الأحيان كفاءات متخصصة قادرة على اتخاذ قرارات دقيقة بعيدا عن حسابات الربح الانتخابي.
في حالة المملكة المغربية، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من المقاربة أكثر إلحاحا في ظل رهانات كبرى تلوح في الأفق، سواء تعلق الأمر بالتحولات الاقتصادية العالمية، أو بتقليص الفوارق الاجتماعية، أو بالاستعداد لاستحقاقات دولية مهمة، حكومة تكنقراطية، مؤقتة ومؤطرة برؤية واضحة، يمكن أن تشكل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتسريع وتيرة الإصلاحات، وربط المسؤولية بالنتائج بشكل فعلي، رغم أن قوة هذا الخيار لا تكمن فقط في استبدال السياسي بالتقني، بل في إرساء ثقافة جديدة في التدبير العمومي، قوامها الكفاءة و المساءلة والشفافية، لأن التكنقراط، بحكم تكوينهم، يميلون إلى اعتماد مقاربات مبنية على المعطيات والتحليل، بدل الارتجال أو الشعبوية، و هذا ما تحتاجه مرحلة تتطلب قرارات صعبة قد لا تكون شعبية، لكنها ضرورية لضمان الاستقرار على المدى الطويل.
ولا ينبغي فهم الحكومة التكنقراطية كبديل دائم عن الديمقراطية، بل كآلية تصحيح مؤقتة داخلها، فالدور الحقيقي للأحزاب يجب أن يستمر، لكن مع ضرورة إعادة بناء ذاتها على أسس أكثر صلابة، تجعلها قادرة مستقبلا على إنتاج نخب تجمع بين الشرعية الانتخابية و الكفاءة المهنية، في ظل الحكومة التكنقراطية لن تنتظر إصلاحا بطيئا، بل قرارات حاسمة، يقودها من يمتلكون المعرفة والخبرة، ويحاسبون على أساس النتائج لا الشعارات.
تصبحون على حكومة تكنقراطية