حين يصبح السكوت خيانة…بين فريضة تغيير المنكر وحدود التعريف في ميزان الشريعة والقانون المغربي

قيل في العقيدة الطحاوية القدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، و مجاهرا فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر.

الأخبار المغربية

في خضم النقاشات الدينية التي تتكرر في المجالس العامة ووسائل التواصل، يبرز موضوع الغيبة بوصفه من أكثر القضايا التباسا بين الناس إذ تختلط فيه حدود التحريم بإباحات استثنائية قررها الشرع لحكم و مصالح معتبرة وقد شاع بين طلاب العلم نظم يذكر أن الغيبة تجوز في ستة مواضع غير أن هذا النظم ليس من متن العقيدة الطحاوية وإنما هو تلخيص لما قرره العلماء وعلى رأسهم الإمام يحيى بن شرف النووي في كتابه رياض الصالحين حيث فصل هذه الحالات وعضدها بالأدلة من القرآن والسنة.

وتبقى القاعدة العامة التي ينطلق منها هذا الباب قول الله تعالى “ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه” وهو نص يرسم صورة بليغة لحرمة الغيبة وشناعتها في ميزان الإسلام غير أن الشريعة نفسها فتحت استثناء منضبطا حين قالت لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما وهي الآية التي استدل بها العلماء على جواز التظلم إذ يحق للمظلوم أن يقول ظلمني فلان وأخذ حقي أمام القاضي أو من يملك إنصافه.

وفي باب الاستعانة على تغيير المنكر تبرز السنة النبوية دليلا عمليا كما في حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه حين قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدة فقال عبد الله بن أبي “لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا” وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأنزل الله تصديقي “إذا جاءك المنافقون” وهو دليل على جواز نقل القول بقصد إزالة المنكر لا إشاعته.

أما في باب الاستفتاء فقد جاء الحديث الصريح عن هند بنت عتبة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فكان في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها دليل على جواز ذكر العيب للحاجة إلى بيان الحكم.

وفي سياق التحذير والنصيحة تتعدد الشواهد النبوية ومن أبرزها قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة وهو أصل عام في وجوب بيان الحق للناس ومن ذلك أيضا ما رواه في شأن بعض الأشخاص حين قال ائذنوا له بئس أخو العشيرة وكذلك قوله لفاطمة بنت قيس لما استشارته في الزواج أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وهو تصريح بعيوب بقصد النصح لا الانتقاص.

وفي شأن المجاهر بالمعصية جاء في الحديث ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا و هو مما رواه البخاري وفيه دلالة على جواز ذكر من أعلن فسقه بما يظهر منه كما ورد في شأن امرأة كانت تؤذي الناس وتظهر السوء فقال النبي صلى الله عليه وسلم “لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه”.

أما التعريف فقد استند العلماء فيه إلى ما ورد في السنة من تسمية بعض الصحابة بألقابهم التعريفية كما في قول الراوي فقام رجل يقال له ذو اليدين فكان ذلك دليلا على جواز التعريف بالوصف إذا لم يقصد به التنقيص وقد جرى عمل المحدثين على هذا في كتب الرجال صونا للسنة وتمييزا للرواة، وهكذا تتكامل النصوص القرآنية والحديثية لتؤكد أن الغيبة في أصلها محرمة تحريما شديدا لكنها قد تباح في حالات محددة تضبطها الضرورة و المصلحة والنية الصادقة وقد أجمع العلماء على هذه المواضع كما نقل ذلك الإمام النووي مؤكدين أن الانزلاق في هذا الباب سهل إذا غابت النية و تحول القصد من إصلاح إلى فضيحة ومن نصيحة إلى تشف وهو ما يجعل هذا الموضوع حاضرا بقوة في واقع الناس يحتاج إلى وعي دقيق يوازن بين حفظ الأعراض وحماية المجتمع من الظلم والانحراف.

الإسلام هو الحل

قد يعجبك ايضا
Loading...