الزبير مصلح
و.م.أ – خرج فلاديمير بوتين من صمته الطويل ليضع النقاط على حروف مرحلة جديدة من الصراع مع الغرب، لم يكن حديثه مجرد رد عابر على تصريحات أوروبية كان إعلانا استراتيجيا بأن موسكو قرأت المشهد جيدا وأنها تتعامل مع استعدادات فعلية لحرب قادمة، بوتين الذي اعتاد أن يتحدث بلغة دبلوماسية محسوبة قالها بوضوح، الكثير من الدول الأوروبية تستعد لحرب مع روسيا بحلول عام 2030 و نحن مستعدون لها لكننا لا نريدها، هذا التصريح لم يأت من فراغ، في الأسابيع الأخيرة تحولت القارة الأوروبية إلى ورشة عسكرية مفتوحة، من بولونيا إلى بحر البلطيق تجري مناورات غير مسبوقة، إحدى عشرة دولة أوروبية نشرت أكثر من 2800 جندي في إطار عملية كواليتسيا، الهدف المعلن هو التدرب على الانتشار السريع في أوكرانيا بعد أي وقف محتمل لإطلاق النار الهدف غير المعلن هو اختبار الجاهزية القتالية للجيش الروسي، في برلين يجري الحديث عن تخزين أسلحة ثقيلة في دول البلطيق، في لندن صدر قرار يفتح الباب أمام تدخل مباشر في باريس يرتفع الخطاب حول ضرورة حسم الصراع عسكريا.
بوتين يرى في كل هذا محاولة مكشوفة لإنقاذ أنظمة سياسية متآكلة حسب روايته فإن القادة الأوروبيين الذين فشلوا في تدبير ملفاتهم الاقتصادية والاجتماعية يحاولون التغطية على هذا الفشل باختراع عدو خارجي، لذلك وصف كل الحديث عن هجوم روسي وشيك على أوروبا بالأكاذيب والخزعبلات والهذيان المحض، هو يعتبر أن الغرب زرع في عقول مواطنيه هاجس الصدام الحتمي مع موسكو ورفع منسوب الهستيريا الجماعية لتبرير سباق تسلح مكلف.
لكن الرسالة الأهم في كلام بوتين كانت موجهة إلى الداخل الأوروبي نفسه، عندما كشف عن تفاصيل اتصالاته الهاتفية مع الرئيس الفنلندي ورئيس الوزراء النرويجي قال إن المبادرة جاءت منهما وأنهما شددا منذ اللحظة الأولى على أنهما يتحدثان باسم بلديهما فقط وليس باسم الاتحاد الأوروبي هذه إشارة ذكية إلى وجود تصدع داخل المنظومة الأوروبية، إشارة إلى أن بعض العواصم بدأت تبحث عن قنوات منفصلة مع الكرملين بعيدا عن القرار الجماعي في بروكسل.
ورغم لهجة التحدي فإن بوتين ترك الباب مفتوحا أمام مقاربة ردعية أكد أن الغرب لم ينجح في تحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا وأنه من غير المرجح أن ينجح في ذلك بحلول عام 2030 وحذر في نفس الوقت من أن أي حرب مباشرة بين روسيا وأوروبا لن يكون فيها منتصر وأن على الجميع أن يتذكر دروس الحربين العالميتين هي معادلة دقيقة، استعداد كامل للحرب مع رفض أخلاقي وسياسي لها، رسالة مزدوجة تقول لشعبه نحن أقوياء وتقول للأوروبيين لا تختبروا قوتنا.