الأخبار المغربية
المملكة – في خضم الحملة الانتخابية التي تعيش على وقعها مقاطعات ابن امسيك، عين الشق، البرنوصي، الحي الحسني، والحي المحمدي، يطفو على السطح مشهد سياسي مرتبك، تختلط فيه الشعارات بالصراخ، والتحليل بالتهجم، والنقاش الجاد بالضجيج الافتراضي، ولم تعد الحملات الانتخابية فضاء للتنافس البرنامجي بقدر ما أضحت ساحة لتبادل الاتهامات واستعراض الولاءات، في وقت يتزايد فيه شعور المواطن بأن العملية برمتها فقدت معناها الحقيقي.
هذا التحقيق لا ينحاز إلى جهة دون أخرى، بل يحاول تفكيك صورة مركبة، وغضب شعبي يتجه نحو رجال السلطة، من عمال وباشوات وقواد وأعوان سلطة، مقابل صمت شبه تام عن اختلالات داخل الأحزاب السياسية نفسها، بل وحتى داخل الإدارة العمومية.د، فهل أصبح الشارع يختار أهدافه بناء على موجات عاطفية، أم أن هناك توجيها خفيا يغذي هذا الغضب ويعيد تشكيله؟
لقد شهد المغرب في السنوات الأخيرة سقوط أسماء سياسية وازنة، وتورط بعضها في قضايا ثقيلة تتعلق بالمال والنفوذ، بل وبشبكات الاتجار الدولي في المخدرات، ومع ذلك، لم يتطور النقاش العمومي ليشمل بجدية مساءلة بنيوية لمنظومة التسيير، سواء الحزبية أو الإدارية، هنا يبرز سؤال جوهري، هل الخلل في الأشخاص أم في النموذج برمته؟ الملاحظة الميدانية تكشف أن عددا من البرلمانيين والمنتخبين دخلوا سباق الانتخابات مبكرا، دون الرجوع إلى قواعده الحزبية، وآخرون يسعون خلف التزكيات عبر قنوات غير شفافة، في المقابل، تعاني الكفاءات، خاصة النسائية منها، من تهميش واضح داخل هياكل القرار، رغم أن العديد من الفاعلين يجمعون على أن تجديد النخب لن يتم دون إدماج فعلي للمرأة في مواقع القيادة.
إن تعددية الأحزاب، التي يفترض أن تكون عنوانا للديمقراطية، تحولت في كثير من الأحيان إلى تشتت يفرغ المشهد من معناه، فوجود عشرات الأحزاب لا يعني بالضرورة تعددية حقيقية، خاصة عندما تتشابه البرامج و تغيب الرؤية الاقتصادية الواضحة، المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات كبرى في أفق سنة 2030، لا يحتاج إلى تضخم حزبي، بل إلى نخب قادرة على الفهم العميق للتحولات الاقتصادية الدولية، وعلى تدبير ملفات معقدة بمنطق الكفاءة لا بمنطق الولاء.
في هذا السياق، يبرز طرح الحكومة التكنقراطية كخيار قابل للنقاش، ليس باعتباره بديلا دائما للعملية الديمقراطية، بل كمرحلة انتقالية لإعادة ترتيب الأولويات، وضخ دماء جديدة في مفاصل الدولة، وإعادة الثقة للمواطن، حكومة تعتمد على الكفاءة والخبرة، وتشتغل بمنطق النتائج، قد تكون قادرة على مواكبة التحديات الكبرى التي تنتظر البلاد، من محاربة الفقر والبطالة، إلى تعزيز موقع المغرب في التوازنات الدولية.
لكن هذا الطرح لا يمكن أن ينجح في فراغ، إذ يتطلب انخراطا شاملا من مختلف الفاعلين، الأحزاب مطالبة اليوم بإثبات وطنيتها خارج موسم الانتخابات، عبر العمل الميداني، وتأطير المواطنين، وتعزيز قيم التضامن و التكافل، الجمعيات مدعوة إلى لعب دور تنويري حقيقي، يساهم في تغيير العقليات، ونشر ثقافة المواطنة الفاعلة، أما الإدارة، بكل مكوناتها الأمنية والقضائية و المحلية، فهي أمام تحدي مراجعة عميقة لثقافة العمل، بما يضمن خدمة المواطن بكفاءة ونزاهة، في انسجام مع روح المسؤولية والقسم.
إن المغرب يقف اليوم على مفترق طرق التحديات الداخلية والخارجية تفرض إيقاعا جديدا في التفكير و التدبير، لم يعد مقبولا الاستمرار بنفس الأدوات ونفس الوجوه ونفس الأساليب، التغيير لم يعد خيارا، بل ضرورة، قد يكون السؤال الحقيقي، هل نحتاج إلى حكومة تكنقراطية؟بل، هل نحن مستعدون، كمجتمع ومؤسسات، للقبول بمنطق الكفاءة بدل منطق المصالح؟ في مغرب لا يعترف إلا بالأقوياء.