أصدقاء الملك: من المدرسة المولوية إلى قمة السلطة

الأخبار المغربية

كان أولئك التلاميذ الصغار القادمون من أوساط اجتماعية متباينة ومن مدن متباعدة، يصطفون ببدلاتهم الأنيقة في بداية السبعينات، إلى جانب “سيدي محمد” واحد منهم يرى أبعد من عدسة كاميرا المصور المنتصبة على بضعة أمتار أمامه، ولم يكونوا يملكون عيون زرقاء اليمامة ليحدسوا أي قدر استثنائي جمعهم حول الملك المستقبلي.

ميلاد النخبة المولوية تقول العرب” لتكون سلطانا ابتعد عن السلطان” في المغرب يحدث العكس، إن النخبة الأساسية للحكم ظلت مرتبطة بعجلة السلطة، وكانت المصادر الأساسية لصناعة النخب، كما أبرز ذلك واتربوي ومصطفى الشايب والحمودي، ودمجها في مراكز القرار، تعتمد على معيار، التجارة والمال، القرب من السلطة، النسب وأصول القرابة، وبدرجة أدنى التعليم والخبرة والكفاءة.

لكن منذ تأسيسها سنة 1942 تحولت المدرسة المولوية، إلى مشتل لصناعة النخب الحاكمة المحيطة بدائرة الملك، والتي تستمد سلطتها من قربها من ولي العهد، فقد استعان الحسن الثاني، بأصدقائه في الدراسة أحمد عصمان وعبد الحق القادري وعبدالهادي بوطالب، محمد الفاسي، محمد باحنيني ومحمد عواد، لمساعدته في الحكم، وأسند للمقربين منه مناصب حساسة وكلفهم بمهمات صعبة، بل إنه صاهر بعضهم، و ذلك بحكم الثقة التي كانوا يحظون بها كأصدقاء للدراسة سيصبحون رجالا نافذين حسب درجة المخدومية والقرب من الملك.

هذه النخب التي صاحبت “مولاي الحسن” منذ بداية الأربعينيات في مقاعد الدراسة بالمدرسة المولوية، كان جل أفرادها ينتمون إما لأسر عريقة أو إقطاعية أو من أبناء القواد والباشوات والأعيان، كلهم، كانوا بحسب موجة ذلك العصر، ذوي تكوين قانوني وسياسي، و لا أحد تخصص في مجال إدارة المال والأعمال، لم تكن تلك موضة ذلك الزمن، كانت الثورة أسبق من الثروة.

الحسن الثاني، الذي تعرض لمحاولتين انقلابيتين، كان يعي معنى الثقة في السياسة، ولأن فواهات النار جائته من العسكريين، فقد بنى تكوين ولي العهد على أساس تشكيل النواة الصلبة للنخبة الحاكمة من أبناء المدرسة المولوية التي كان يتتبع برامجها، وتفاصيل الدراسة بها.

لذلك بعد التحاقهم بالجامعة، بدأت عملية الفرز حسب الميولات والكفاءات.

حسن أوريد، الذي يتقن اللغات، تم توجيهه صحبة أنس خالص إلى وزارة الخارجية، ياسين المنصوري، رشدي الشرايبي فاضل بن يعيش، فؤاد عالي الهمة أوصى الحسن الثاني بهم إدريس البصري، للاحتكاك في وزارة الداخلية، مختبر أطر الدولة على عهد أم الوزارات.

ملك واحد، رجال متعددون، شمس وكواكب السلطة في المغرب مؤنث في مفرد الكلمة فقد، فالتأنيث لا محل له من الإعراب في هرم الحكم بالمغرب، وبرغم المدونة التي وصفت بالثورية على عهد محمد السادس، فإن أصدقاء ولي العهد في المدرسة المولوية لازالوا من الذكور، للأميرات مسار مغاير بعيدا عن كرسي العرش، لقد أنتجت المدرسة المولوية نخبة مولوية، أضحت تشكل اليوم المربع الذهبي للحكم بالمغرب، ملك واحد برجال متعددين تلقوا تربية واحدة لكي يحكموا، وتم إعدادهم في مختبر دقيق لتولي دفة الحكم، إذ كانت الصدف وحدها جمعت هؤلاء التلاميذ الذين انتزعوا من أسرهم وكانت لهم فرص ذهبية للدراسة في القصر الملكي إلى جانب ولي عهد المملكة، فإن “صناعتهم” وبرنامج تكوينهم لا مجال فيه للصدفة.

لقد كانت للرجل شقة فوق مطعم “أمنيزيا” فيها كان يجتمع الخلان ويوطدون علاقاتهم المستقبلية، فيما يرسمون ملامح ما سيكون عليه الآتي، إلتحلق فؤاد عالي الهمة بجامعة محمد الخامس لدراسة القانون حيث حصل على الإجازة في القانون والقانون المقارن، ودبلوم الدراسات المعمقة في العلوم السياسية سنة 1988 و شهادة للعلوم الإدارية عام 1989 ببحث حول ميزانية الجماعات المحلية، و هو الإسم الذي سيحمله الهمة بين الأصدقاء الصحافيين و اليساريين وفي ريبرتوار هاتفهم المسجل فيه فؤاد عالي الهمة باسم الجماعات المحلية لحكمة تتجاوز السر، لا أعرفها حتى اليوم، وبعدها سيقوده مساره، صحبة ياسين المنصوري و فاضل بن يعيش ورشدي الشرايبي، إلى وزارة الداخلية، حيث شغل منصب مستشار في ديوان إدريس البصري، بعدها سيتقدم إلى الانتخابات باسم حزب الاتحاد الدستوري الذي لم يلتحق يوما بمقره منذ حصوله على تزكية المعطي بوعبيد، فأصبح رئيس المجلس البلدي لابن جرير من 1992 إلى 1997 وممثل موطن نشأته في البرلمان حتى سنة1997 خصومه يقولون:”إنه يجب أن يعترف للعهد السابق الذي يحاول أن يدفنه شكلا، على الأقل، بحسنة تعديل الكفة لصالحه في الانتخابات التشريعية” ذلك أن الرجل سقط في الانتخابات المباشرة التي تقدم إليها بجانب المنصوري بن علي وخلي هنا ولعنيكري، وتم تدارك “الخطأ” في الدور غير المباشر، وهو ما لن ينساه الهمة الذي أعاد للراحل البصري، الضربة القوية، في الشكل المهيمن الذي أعقب إعفاءه، حيث أخضع الوزير المقال وسيارته للتفتيش وهو يغادر مقر الوزارة، وانتزع منه كل شيء.

في أكتوبر 1997 عينه الراحل الحسن الثاني رئيسا لديوان ولي عهد المملكة، في البداية تزوج فؤاد عالي الهمة من وسط شعبي وحاول الحفاظ على بعض عاداته القديمة من إقامته في الصخيرات حتى مقر سكناه حاليا، لكن لا يمكن الجمع بين الثروة والثورة، إذ للسلطة إغراءاتها، في 9 نونبر 1999 سيشغل فؤاد عالي الهمة منصب كاتب الدولة في الداخلية والذي استمر فيه حتى مع التعديل الحكومي في شتنبر 2000 لقد كانت مهمته دقيقة للغاية إنجاح أول انتخابات على عهد الملك محمد السادس في غياب مهندس انتخابات المغرب لعقود طويلة، وتفكيك “الخلايا النائمة” لادريس البصري، لذلك وصف بمهندس التدبير الأمني الجديد، وإعادة هيكلة أجهزة المخابرات التي سمح له التواجد على أمر تسييرها، باستفادة كبرى من كنوز معلوماتها التي سيستغلها بفعالية في رسم ملامح مستقبله كأكبر قوة في محيط العهد الجديد.

منذ البداية جرب الهمة حظه مع سمك القرش، نجح في المسعى الأمني، فقد أتى بحميدو لعنيكري على رأس “DST” وفيما بعد مديرا للمدرية العامة للأمن الوطني، و ذلك بفضل صداقة إبنه ياسر، و أيضا للاستفادة من خبرته الواسعة، إلى أن انقطع حبل الود بين الرجلين، وكان لعنيكري الضحية، اتفقت استراتيجيتهما حول ملف الإرهاب، وفي محاربة الأمير هشام الذي كان يضع بدوره الكثير من الملح على الجرح، حين يكون السكر هو المطلوب، وحصد الهمة نصف نجاح في إجماع القوى السياسية على كون انتخابات 2002 التي كان مدبرها كانت أكثر نزاهة، ولو أن نتائجها لم تر النور حتى يومنا هذا وتلك خصيصة في “الديمقراطية المغربية” ونجح في توطيد نفسه ضمن أقرب أصدقاء الدراسة إلى الملك، لأنه استطاع هزم حسن أوريد و وضعه على الرف.

للحديث بقية

قد يعجبك ايضا
Loading...