الأخبار المغربية
المملكة – من السهل على الحكومات أن ترفع شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان عندما تكون بعيدة عن مصالحها، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يتعلق الأمر بما تعتبره مكاسبها التاريخية، وهنا تحديدا تسقط الأقنعة، وتظهر الازدواجية بأوضح صورها، و إسبانيا اليوم تقدم المثال الأكثر وضوحا على هذا التناقض.
لسنوات طويلة، صدرت مدريد نفسها باعتبارها دولة تؤمن بالشرعية الدولية و تحترم القانون وتدافع عن حقوق الشعوب، غير أن هذا الخطاب يتغير بالكامل عندما يصل الحديث إلى سبتة و مليلية، اللتين يعتبرهما المغرب جزءا من أراضيه، و فجأة يصبح الحديث عن القانون أكثر انتقائية، و تتحول المبادئ إلى أدوات سياسية تستخدم حيث تخدم المصالح وتهمل عندما تتعارض معها.
الأكثر إثارة أن إسبانيا تعتمد بشكل يومي على المغرب في حماية حدودها الجنوبية، بل وفي حماية جزء مهم من الأمن الأوروبي، فالمغرب يواجه شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، و يتحمل أعباء أمنية وإنسانية ضخمة، بينما تستفيد مدريد من هذا التعاون ثم تعود لتتصرف وكأنها ليست مدينة بشيء لشريك أثبت مرارا أنه عنصر أساسي في استقرار المنطقة.
وأثبتت أزمات الهجرة أن أوروبا، بكل ما تمتلكه من إمكانات، لا تستطيع حماية حدودها الجنوبية دون تعاون المغرب، فعندما تتعرض الحدود للضغط، تتراجع الشعارات ويعلو صوت الأمن القومي، وتعود الدول الأوروبية إلى تشديد الرقابة على حدودها، وكأن سنوات الحديث عن أوروبا بلا حدود لم تكن سوى حلم اصطدم بأول اختبار حقيقي.
وسط هذه الحقائق، يبدو الخطاب الإسباني فاقدا للاتساق، فلا يمكن لدولة أن تطالب العالم باحترام القانون الدولي، بينما ترفض حتى فتح نقاش سياسي حول ملف تعتبره الرباط من بقايا المرحلة الاستعمارية، ولا يمكن لمن يطالب الآخرين باحترام مبادئ الشرعية أن يرفض الاعتراف بأن هناك نزاعا سياسيا قائما يستحق المعالجة بالحوار.
إن العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تبقى رهينة تناقضات الخطاب السياسي، لكنها أيضا لا يمكن أن تقوم على شراكة أمنية من طرف واحد، فالشراكة الحقيقية تعني تبادل المصالح والاحترام المتبادل، لا الاستفادة من التعاون الأمني مع تجاهل الملفات الخلافية كلما تعلق الأمر بالموقف الإسباني.
لقد تغير العالم، وتغيرت موازين القوى، وأصبح المغرب لاعبا إقليميا لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن و الهجرة والاستقرار، وهذه الحقيقة تفرض على مدريد أن تعيد قراءة علاقتها بالرباط بعيدا عن منطق الماضي، وأن تدرك أن الحوار الصريح حول القضايا العالقة هو الطريق الوحيد لبناء شراكة أكثر توازنا.
فالمبادئ لا تقاس بما يقال في المؤتمرات، بل بما يطبق على أرض الواقع، وعندما يصبح القانون الدولي انتقائيا، يفقد جزءا كبيرا من مصداقيته، أما احترام الشركاء، فلا يكون بالخطب، وإنما بالانسجام بين الخطاب والممارسة، لأن التاريخ لا يحتفظ بالشعارات، بل يسجل المواقف.
تصبحون على تغيير