الأخبار المغربية
المغرب – رحبة أناسي بالدارالبيضاء، التي كانت لسنوات الوجهة الأولى لسكان العاصمة الاقتصادية لشراء أضاحي العيد، أغلقت أبوابها نهائيا منذ يوم أمس 25 ماي 2026 القرار نزل فجأة على الباعة والمربين والمواطنين معا، منع دخول أي مواشي جديدة، وتوقفت عملية البيع بصفة نهائية، والشرطة تجوب المكان منذ الصباح تدعو الباعة إلى إخلاء المنطقة فورا.
المشهد تحول إلى حالة من الارتباك والغضب المكتوم، رعايا جلالة الملك الذين تأخروا يوما أو يومين يجدون أنفسهم أمام فضاء فارغ وأبواب موصدة، كلما تحدث مواطن مع أفراد الأمن عن حل أو استثناء كان الجواب نفسه يتكرر بحدة، (يلاه جاي علاش مشرتيش فالأول) سؤال بسيط في ظاهره لكنه يلخص العقلية الإدارية التي تتعامل مع المواطن كأنه مسؤول عن خلل التنظيم بدل أن تكون الإدارة هي المسؤولة عن ضمان العرض والتنظيم.
الإغلاق لم يكن حادثا معزولا، كل مواقع بيع الأضاحي المعتمدة على مستوى المدينة أغلقت في نفس التوقيت، و كأن هناك قرارا مركزيا اتخذ ليلا دون إعطاء مهلة للناس لترتيب أمورهم، النتيجة أن آلاف الأسر وجدت نفسها خارج العملية تماما، في وقت وصلت فيه أسعار الأضاحي لمستويات تاريخية جعلت الشراء المبكر مستحيلا على شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة والفقيرة.
غلاء أسعار الأضاحي بالمغرب يرجع بالأساس لتغير نمط حياة المغاربة، الدولة المدنية أسست في بعض مراكز المغرب وكانت تعتمد بالأساس على الأرياف و المراكز القروية لتوفير اللحوم والخضر بأبخس الأثمان، لكن مع انتقال مفهوم الدولة المدنية للقرى والبوادي وتمركز الإدارة وما أتت به من قوانين كالتعمير والضرائب وانتشار خدمات الكهرباء والماء والإنترنت و الأجهزة الإلكترونية و التمدرس، تحولت أشياء لم تكن موجودة إلى تكلفة باهضة على عاتق هذه الأسر، زيادة على نمط التعليف بدل الرعي، أصبح المربي يواجه فاتورة يومية لا تنتهي قبل أن يصل إلى السوق.
هذه عوامل عميقة لن تنتهي بالأغنام، ما يحدث في قطاع المواشي سينتقل إلى حلقات أخرى من الاستهلاك اليومي إذا استمرت السياسات بنفس المنطق، والدولة اليوم مطالبة إما برفع الرفاه وتخفيف الأعباء عن الأسر القروية والمدنية معا، أو التراجع عن حدة مفهوم الدولة المدنية و فرملة نموذج السير بسرعتين الذي يجعل المدينة تستفيد من الخدمات بينما تدفع البادية الثمن.
في رحبة “أناسي” بالأمس كان السؤال المطروح هو سعر الكبش، اليوم السؤال أصبح أبسط وأقسى، ما ذنب المواطن الذي احترم القانون وانتظر دوره حتى وجد الأبواب مغلقة. رجال الدولة الذين اعتمدنا عليهم يظهرون أحيانا كأنهم ناقصين في تقدير الواقع، و كأنهم نسوا أن الناس لا تملك رفاهية الانتظار أو الاختيار، و الحمد لله لازلنا نتنفس الهواء، لكن الهواء وحده لا يطعم عائلة ولا يحي شعيرة.
تصبحون على تغيير