الأخبار المغربية
المغرب أولا – في قلب أوروبا، حيث تتقاطع القوانين الصارمة مع قيم التعددية، تعيش الجالية المغربية في بلجيكا حالة غليان غير مسبوقة، ليس الأمر مجرد نقاشات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو ما يشبه “حربا باردة” تتخذ من الدين والهوية والولاء أدوات اشتباك يومي، تتسع رقعتها وتزداد حدتها دون رقيب أو توجيه.
خلال السنوات الأخيرة، تحولت فضاءات مثل فايسبوك و واتساب و يوتوب إلى ساحات قتال رقمية، تستعرض فيها اتهامات جاهزة، وتطلق فيها أحكام قاسية، وتدار فيها معارك كلامية تتجاوز حدود النقد إلى التخوين والتشهير، قضايا مثل “الذبيحة الحلال” وأنشطة السفارة المغربية، و الهوية الدينية، لم تعد موضوع نقاش عقلاني، بل تحولت إلى وقود لصراع متعدد الأطراف، لكل طرف فيه أجندته الخاصة، لكن خلف هذا الضجيج، يبرز سؤال أكثر عمقا و خطورة، فمن المستفيد من هذا الانقسام؟
تشير معطيات ميدانية و شهادات متقاطعة إلى أن حالة التشرذم التي تعيشها الجالية لم تعد عفوية أو نتيجة اختلافات طبيعية، بل أصبحت بيئة خصبة لتدخلات خارجية واستغلالات سياسية، أسماء مثل حزب الله، و دوائر مرتبطة بـإيران، إضافة إلى أجهزة محسوبة على الجزائر، تطرح في النقاشات كأطراف يشتبه في سعيها لتغذية هذا التوتر، إلى جانب دعم غير مباشر لحركات انفصالية مثل جبهة البوليساريو.
في المقابل، لا يبدو أن المؤسسات الرسمية المغربية في الخارج، وعلى رأسها التمثيليات الدبلوماسية، قادرة على احتواء هذا التدهور، فبدل لعب دور الوسيط والموحد، يتهم بعض الفاعلين داخل هذه المؤسسات بالعجز، أو حتى بالمساهمة غير المباشرة في تعميق الفجوة، عبر سوء التدبير وغياب رؤية تواصلية فعالة مع مكونات الجالية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ المؤسساتي فتح الباب أمام ما يقارب 900 جمعية، تعمل في فضاء رمادي، دون تنسيق حقيقي أو استراتيجية موحدة، ما جعل بعضها عرضة للاختراق أو التوظيف في صراعات تتجاوز بكثير اهتمامات المهاجر اليومية.
أما على المستوى المجتمعي، فقد أصبح الانقسام واضحا بين تيارات متشددة في اتجاهات مختلفة، من جهة، أصوات تدعو إلى التشدد والانغلاق باسم الدين، ومن جهة أخرى، تيارات تدفع نحو القطيعة مع الهوية الأصلية تحت شعار “الاندماج الكامل” وبين الطرفين، تضيع بوصلة الاعتدال، هذا المشهد يعيد إلى الأذهان بدايات أزمات مشابهة في مناطق أخرى، حيث بدأت الصراعات بخلافات فكرية وإعلامية، قبل أن تتحول إلى مواجهات أكثر خطورة، التاريخ القريب يظهر أن غياب الحوار، وانتشار خطاب الكراهية، وترك الساحة مفتوحة أمام الفاعلين غير المؤطرين، كلها عوامل تمهد لتحولات يصعب السيطرة عليها لاحقا.
اليوم، تقف الجالية المغربية في بلجيكا أمام مفترق طرق حاسم، إما استعادة زمام المبادرة عبر بناء جسور الثقة و الحوار، أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واجتماعية ليس فقط على مستوى الجالية، بل على علاقات المغرب مع محيطه الأوروبي.
التحقيق في هذا الملف لم يعد ترفا صحفيا، بل ضرورة أمنية واستراتيجية، في حين تتحول الجاليات إلى ساحات صراع مفتوحة، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما يحدث الآن، بل ما الذي يمكن أن يحدث غدا.
تصبحون على تغيير