الأخبار المغربية
الصحراء أولا – عادت مقولة الملك الحسن الثاني رحمه الله إلى الواجهة من جديد، مقولة تختصر نصف قرن من الصراع، مقولة قالها الرجل بمرارة العارف وبصبر الملك “مع من حشرنا الله في الجوار” جملة واحدة كشفت حقيقة الجار وكشفت حجم المعاناة وكشفت صبر المغرب الطويل، الملك قالها بوضوح في فيديو عاد للانتشار بقوة، قال (إن الله وضع المغرب في هذا الجوار، إن هذا الجوار قدر، إن هذا القدر لا يعني التنازل عن شبر واحد من الأرض، لا يعني التفريط في ذرة من السيادة، لا يعني بيع الحق التاريخي مقابل رضا الجار) السلام عند الحسن الثاني كان سلاما قائما على الحق، كان سلاما قائما على الشرعية، كان سلاما قائما على الوحدة الترابية.
الحسن الثاني مد يده للجوار عشرات المرات، دعا إلى الحوار، دعا إلى فتح الحدود، دعا إلى بناء مغرب عربي حقيقي يخدم شعوب المنطقة، الجواب كان دائما الهروب إلى الأمام، الجواب كان صرف أموال الشعب الجزائري على البوليساريو وعلى الانفصال، الجواب كان الاستثمار في الفوضى بدل الاستثمار في التنمية، الجواب كان المساومة و التلاعب بدل احترام الجوار.
المغرب صبر صبرا طويلا، صبر لأنه بلد السلام، صبر لأنه بلد اليد الممدودة، صبر لأنه بلد حسن الجوار، لكن صبره لم يكن ضعفا، صبره كان قوة، صبره كان ثقة في الحق، صبره كان إيمانا بأن التاريخ لا يرحم مشاريع التقسيم، و اليوم بدأ العالم يفهم هذه الحقيقة، بدأ العالم يعرف أن المغرب كان يطالب بالسلام وهو قوي وهو على حق، بدأ العالم يعرف أن الجزائر كانت ترفض السلام لأنها كانت تريد فرض أمر واقع لا يقبله التاريخ ولا تقبله الجغرافيا.
التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية كشفت كل شيء، كشفت أن المغرب حول الملف من نزاع مفتوح إلى ملف وحدة وطنية مغلق، كشفت أن مبادرة الحكم الذاتي صارت هي الحل الوحيد الواقعي والجدي وذي المصداقية، كشفت أن الدول الكبرى والقوى الدولية تعترف اليوم بهذا الحل، كشفت أن المينورسو نفسها أصبحت أمام حقيقة جديدة، حقيقة أن النزاع طال أكثر من اللازم وأن الحل لا يمكن أن يكون خارج السيادة المغربية.
هذا التحول لم يأت صدفة جاء نتيجة عمل دبلوماسي هادئ و مستمر عمل قاده الملك محمد السادس برؤية واضحة “لا حل خارج السيادة المغربية” “لا تفاوض على الوحدة الترابية” “لا تنازل عن شبر واحد” الرؤية نفسها التي حملها الحسن الثاني الصبر نفسه الحزم نفسه اليد الممدودة نفسها والخط الأحمر نفسه الوحدة الوطنية عند المغاربة ليست شعارا يرفع في المناسبات، هي مشروع دولة كامل، الأقاليم الجنوبية اليوم ليست مناطق نزاع هي ورش مفتوح للتنمية طرق سيارة موانئ مطارات جامعات مستشفيات طاقات متجددة استثمارات بمليارات الدراهم هذا هو الجواب العملي على كل من كان يشكك، لا يمكن أن تكون منطقة متنازع عليها وتعرف هذا الحجم من الاستثمار والاستقرار والأمن أهلها اختاروا المغرب و المغرب اختار أن يستثمر في أرضه وفي أبنائه.
مقولة “مع من حشرنا الله في الجوار” ليست شتيمة، ليست كلمة عابرة هي توصيف دقيق لخمسين سنة من المعاناة مع جار لم يفهم أن الجوار قدر الجار لا يختاره الإنسان الجوار يفرض عليه أن يتعايش معه باحترام لا أن يعاديه كل يوم لا أن يصرف أموال شعبه على مشروع انفصالي لم يعد يقنع أحدا حتى داخل المخيمات نفسها.
المغرب ربح معركة الوحدة الوطنية لأنه كان صاحب حق، ربحها لأن شعبه كله من طنجة إلى الكويرة كان موحدا حول قضيته الأولى ربحها ليس لأنه كان أقوى بالسلاح ربحها ليس لأنه كان أغنى بالمال ربحها لأن القضية عنده قضية هوية وقضية انتماء وقضية دم وتاريخ من يحمل قضية بهذا الحجم لا يمكن أن يخسر ولو طال الصراع خمسين سنة أخرى، ويبقى التحدي الحقيقي اليوم في الداخل كيف نحافظ على هذه الوحدة كيف نحصنها بالتنمية و بالعدالة وبالديمقراطية كيف نجعل من الأقاليم الجنوبية نموذجا يحتذى به في كل المغرب، هذا هو العمل الذي يجب أن يشتغل عليه الجميع اليوم حكومة وأحزابا و مجتمعا مدنيا وإعلاما.
الصحراء مغربية، وستبقى مغربية، والوحدة الوطنية ليست نهاية الطريق هي بداية طريق جديد لبناء مغرب قوي وموحد مغرب السلام سلام الأقوياء سلام من لا يتنازل عن أرضه سلام من لا يساوم على وحدته سلام من لا يقبل أن يفرض عليه أحد شروطا تمس سيادته.
المغرب في صحراءه