رجل الأمن المغربي بين الواجب والحق هل حان وقت فتح نقاش وطني حول التمثيل المهني؟

الدولة لا تبدأ من رجل الأمن فقط لكنها تمر من خلاله

الأخبار المغربية

الرباط – حين نتحدث عن رجل الأمن، فإننا لا نتحدث فقط عن صاحب بذلة يقف في الشارع، بل عن إنسان يحمل على عاتقه مسؤولية حماية الناس، وفي الوقت نفسه يحمل مسؤولياته تجاه أسرته وحياته ومستقبله، كيف نريد من رجل الأمن أن يحمي استقرار المجتمع، إذا لم نفتح باستمرار النقاش حول استقراره المهني و الاجتماعي والنفسي، المغرب يتوفر على مؤسسة أمنية تضطلع بمهام واسعة و حساسة، من حفظ النظام العام و مكافحة الجريمة إلى حماية الأشخاص والممتلكات و تأمين مختلف التظاهرات و الفضاءات العمومية.

لكن وراء هذه المؤسسة يوجد موظفون يعملون في ظروف تختلف عن كثير من المهن الأخرى، ساعات عمل غير عادية، استنفار متواصل، احتكاك يومي مع مختلف فئات المجتمع، مخاطر مهنية، مسؤولية قانونية، وضغط نفسي لا يظهر دائما للعلن، و لهذا فإن الحديث عن أوضاع رجل الأمن يجب ألا يفهم على أنه انتقاد للمؤسسة، بل العكس تماما المؤسسة القوية هي التي تعرف أن حماية مواردها البشرية جزء من حماية قوتها واستمراريتها.

من يحمي رجل الأمن عندما يحتاج هو إلى من يحمي حقوقه؟ رجل الأمن مطالب بالانضباط، مطالب باحترام القانون، مطالب بتنفيذ التعليمات، مطالب بضبط النفس، و مطالب بأن يكون في مستوى الثقة التي يضعها فيه المواطن والدولة، كل ذلك مفهوم، لكن مقابل هذه الالتزامات، ما هي أفضل الآليات التي تمكنه من التعبير عن مطالبه المهنية و الاجتماعية بصورة منظمة و مسؤولة؟ هذه النقطة بالذات تستحق نقاشا وطنيا هادئا، ليس نقاشا ضد الإدارة العامة للأمن الوطني، ولا ضد التسلسل الإداري، ولا ضد خصوصية العمل الأمني، و إنما نقاش حول ما إذا كان الإطار الحالي يوفر، بالشكل الكافي، قنوات حديثة وفعالة للحوار المهني والتفاوض حول الملفات الاجتماعية و المهنية لموظفي الأمن.

يا مسؤولين، النقابة ليست بالضرورة صراعا مع الدولة هناك تخوف مشروع من كلمة “نقابة” عندما يتعلق الأمر بجهاز أمني، لأن الشرطة ليست قطاعا عاديا وأي صيغة للتمثيل المهني داخل مؤسسة أمنية يجب أن تراعي الأمن الوطني، وسرية المعطيات، والتسلسل الإداري، وضرورة استمرار المرفق، ومنع التسييس، لكن هذا التخوف لا ينبغي أن يغلق باب النقاش.

فيمكن، من حيث المبدأ، التفكير في صيغ مختلفة للتمثيل المهني، وليس بالضرورة استنساخ النموذج النقابي الموجود في القطاعات المدنية، المطلوب هو إيجاد التوازن بين حق الموظف في التعبير عن مطالبه، وحق الدولة في الحفاظ على مؤسسة أمنية منضبطة ومحايدة وفعالة، و هذا التوازن هو الذي يستحق الدراسة، والتجربة التونسية درس و ليس وصفة جاهزة.

في تونس، فتح المشرع سنة 2011 الباب أمام أعوان قوات الأمن الداخلي لممارسة العمل النقابي وتأسيس نقابات مهنية مستقلة، مع وضع قيود واضحة، من بينها منع الإضراب وتعطيل سير العمل، ومنع الانخراط في المنظمات السياسية أو ممارسة أنشطة مماثلة “مرسوم عدد 42 لسنة 2011 مؤرخ في 25 ماي 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 غشت 1982 المتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن، لكن التجربة التونسية نفسها أثبتت أن النقابة الأمنية يمكن أن تكون سلاحا ذا حدين إذا غابت الحدود الواضحة بين الدفاع عن المصالح المهنية وبين التدخل في الشأن السياسي أو التأثير في القرار الأمني، و هذا بالضبط ما يجعل التجربة التونسية موضوعا للدراسة وليس نموذجا للنسخ.

المغرب له خصوصيته، و مؤسساته لها خصوصيتها، و تحدياته الأمنية لها خصوصيتها، لذلك، إذا فتح هذا النقاش، فيجب أن يكون مغربيا من حيث التشريع و الضوابط والضمانات.

في أبسط صورة، يريد رجل الأمن أن يعرف أن مستقبله المهني واضح، أن تكون الترقية قائمة على معايير مفهومة، أن تكون المخاطر المهنية محل تقدير، أن تكون ظروف العمل موضوعا دائما للحوار، أن يجد آلية مؤسساتية لطرح المشاكل المهنية، أن تكون له حماية اجتماعية وصحية مناسبة، وأن يشعر بأن المؤسسة التي تطلب منه أن يكون وفيا لها، وفية أيضا لكرامته وحقوقه، هذه ليست مطالب ضد الدولة، هذه مطالب يمكن أن تقوي علاقة الموظف بمؤسسته إذا عولجت بالحوار والمسؤولية

لا نريد نقابة تضعف الأمن و هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة، لا أحد يريد جهازا أمنيا مسيسا، ولا أحد يريد أن يتحول رجال الأمن إلى فاعل سياسي، ولا أحد يريد إضرابات تشل مصالح المواطنين، ولا أحد يريد كشف أسرار العمل أو المعطيات الأمنية، ولا أحد يريد ضرب التسلسل الإداري، لكن في المقابل، لا ينبغي أن نعتبر كل حديث عن الحقوق المهنية تهديدا للمؤسسة.

يمكن أن يكون رجل الأمن منضبطا ومهنيا، وفي الوقت نفسه أن يكون له صوت مهني مسؤول، فهل تستطيع المديرية العامة للأمن الوطني أن تصمم إطارا قانونيا يمنع الفوضى ويضمن الحوار في الوقت نفسه؟ من حق المواطن أيضاًد أن يستفيد قد يبدو لأول وهلة أن تحسين وضع رجل الأمن قضية تهم رجال الأمن وحدهم، لكن الحقيقة عكس ذلك، المواطن هو أول المستفيدين من استقرار الموظف الذي يتعامل معه يوميا، رجل أمن مرتاح مهنيا ونفسيا يكون أكثر قدرة على التواصل، أكثر قدرة على ضبط النفس، أكثر قدرة على تحمل ضغط المهنة، و أكثر قدرة على أداء واجبه وفق القانون، ولهذا فإن تحسين ظروف رجل الأمن ليس امتيازا لفئة، بل استثمار في جودة الخدمة الأمنية نفسها.

المؤسسة الأمنية تحظى بمكانة خاصة في الدولة المغربية، كما أن موظفيها يستفيدون من برامج و مبادرات اجتماعية في إطار مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، لكن أي مؤسسة، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى تطوير مستمر لآليات التواصل الداخلي، و الاستماع إلى موظفيها، و رصد الاختلالات المهنية قبل أن تتحول إلى أزمات، فلنفتح الورش بدل أن نغلق الباب، المطلوب ليس اتخاذ قرار متسرع، والمطلوب أيضا ليس مواجهة الإدارة أو إحراجها، المطلوب هو فتح ورش وطني هادئ يشارك فيه رجال القانون، والخبراء، و الفاعلون المؤسساتيون، و ممثلو موظفي الأمن، وكل من يستطيع أن يساهم في صياغة تصور يحفظ للمؤسسة قوتها وللموظف كرامته، و إذا خلص النقاش إلى أن النموذج النقابي غير مناسب لطبيعة المؤسسة الأمنية، فليكن البديل واضحا وفعالا، و إذا خلص إلى إمكانية إحداث تمثيل مهني مضبوط بضمانات صارمة، فليكن ذلك أيضا وفق القانون، المهم ألا يبقى رجل الأمن بلا صوت مهني منظم، وألا تتحول المطالب المتراكمة إلى توتر صامت لا يعرف أحد متى و أين يمكن أن يظهر.

نحن في “الأخبار المغربية” لا نريد شرطة ضعيفة، نريد شرطة قوية، لكن القوة لا تعني فقط عدد الموظفين، و لا المعدات، ولا القوانين، القوة الحقيقية تبدأ من الإنسان الذي يرتدي البذلة.

فإذا كان رجل الأمن مطالبا بأن يكون حاضرا عندما يحتاجه المواطن، وأن يسهر عندما ينام الآخرون، وأن يواجه الخطر عندما يتراجع الآخرون، فمن حق المجتمع أن يسأل أيضا من يسهر على استقراره المهني؟

عاش الملك عاش عاش عاش

قد يعجبك ايضا
Loading...