الطيب ساق
المغرب أولا – لنبدأ من السؤال الذي يبدو أنه الأكثر إزعاجا لكل من اختار أن يجعل من المنصات الرقمية منبرا دائما لمهاجمة المغرب ومؤسساته ورموزه، أين الدليل؟ ليس صعبا أن تهاجم دولة من خلف شاشة ولا أن تجمع آلاف المشاهدات عندما تختار العبارات الأكثر استفزازا والاتهامات الأكثر إثارة، الصعب هو أن تثبت ما تقول وأن تضع أمام الرأي العام وثائق قابلة للتحقق و مصادر واضحة ورواية يمكن إخضاعها للنقاش والمساءلة.
من كندا ومن خلف المحيط تصدر خطابات شديدة اللهجة (من السمطة لتحت) حول المغرب ومؤسساته و رموزه، و من بين الأسماء التي ارتبطت بهذا النوع من المحتوى التونارتي و جيراندو، ومن حق أي شخص يعيش خارج المغرب أن ينتقد بلده وأن يعارض سياساته وأن يطرح الأسئلة حول أداء مؤسساته فهذا جزء من حرية التعبير، لكن الحرية لا تعني أن يتحول الادعاء إلى حقيقة لمجرد أنه قيل أمام جمهور واسع ولا أن يتحول صاحب المنصة إلى محقق ومدع عام وقاض في الوقت نفسه.
فعندما يصبح كل مسؤول متهما وكل مؤسسة موضع شبهة وكل قضية دليلا على وجود مؤامرة وعندما يتم تقديم الروايات الشخصية باعتبارها حقائق نهائية دون وثائق واضحة فإننا لا نكون أمام نقاش سياسي طبيعي بل أمام خطاب يحتاج هو نفسه إلى المساءلة.
الصحافة الجادة لا تعمل بمنطق “قالوا” و “سمعت” و “وصلتني معلومات” الصحافة تسأل عن المصدر وتبحث عن الوثيقة وتتحقق من المعطيات وتستمع إلى الطرف الآخر وتفصل بين الخبر والرأي وبين الادعاء و الحقيقة.
أما منصات التواصل الاجتماعي فقد جعلت الأمر أكثر تعقيدا، فبضعة دقائق من البث المباشر يمكن أن تنتج اتهاما ينتشر في آلاف الهواتف قبل أن يجد أي جهة تتحقق منه، وبعد ذلك يصبح تكرار الادعاء هو الدليل الوحيد الذي يستند إليه بعض المتابعين، لكن التكرار لا يصنع الحقيقة و المشاهدات لا تصنع الحقيقة و الغضب لا يصنع الحقيقة، الحقيقة تحتاج إلى دليل.
وهنا لا بد من التوقف عند مسألة الحديث باسم المغاربة، فمن يمنح نفسه حق التحدث باسم ملايين المواطنين مطالب بأن يسأل أولا، هل فوضه أحد بذلك؟ هل المغاربة جميعا يتبنون موقفه؟ وهل مجرد امتلاك منصة رقمية يجعل صاحبها ناطقا رسميًا باسم شعب كامل؟ المغاربة يا أغبياء ليسوا جمهورا بلا إرادة ولا كتلة واحدة تنتظر من يلقنها مواقفها، داخل المغرب توجد آراء متعددة واتجاهات مختلفة وانتقادات ومواقف مؤيدة ومعارضة، وهذه هي طبيعة أي مجتمع حي، ومن الخطأ أن يتحول الاختلاف مع الحكومة أو مع مؤسسة من مؤسسات الدولة إلى خصومة مع المغرب نفسه، كما أن من الخطأ المقابل أن يتحول الدفاع عن الدولة إلى تخوين كل منتقد أو اتهامه بالعمالة، الدولة لا تحمى بالشتائم والمعارضة لا تقوى بالتشهير والصحافة لا تبنى بالصراخ الذي يحمي الجميع هو القانون والدليل و المؤسسات.
أما المؤسسة الملكية فإن الحديث عنها يحتاج إلى قدر مضاعف من المسؤولية بالنظر إلى موقعها الدستوري و التاريخي في الدولة المغربية، وهذا لا يعني أن النقاش حول السياسات و القرارات والاختيارات العمومية يجب أن يتوقف، و إنما يعني أن الفرق بين النقد والإهانة وبين المساءلة و التشهير يجب أن يبقى واضحا، من حقك أن تختلف، ومن حقك أن تنتقد ومن حقك أن تطرح الأسئلة، لكن عندما تتحول الأسئلة إلى اتهامات قطعية وعندما يتحول الاتهام إلى إدانة و عندما تتحول الإدانة إلى تحريض فإننا نغادر مجال النقاش السياسي وندخل مجالا آخر تتحمل فيه الكلمة مسؤولية أكبر.
ومن لا يملك إلا الكلام فعليه أن يتذكر أن ارتفاع الصوت لا يجعل الرواية صحيحة، و المغرب أكبر من الأشخاص وأكبر من المنصات وأكبر من الخصومات والحقيقة أكبر من الجميع.