إلى المدير العام للأمن الوطني هل أصبح بعض رجال الأمن أهدافا لشبكات الاستدراج و الانتقام؟

الأخبار المغربية

المغرب – في كل مرة يتم فيها الإعلان عن توقيف موظف أمن بتهمة الارتشاء أو تكوين عصابة أو الاغتصاب أو نشر تظلم، تنقسم الآراء بين من يعتبر الأمر دليلا على صرامة أجهزة المراقبة الداخلية داخل المديرية العامة للأمن الوطني، وبين من يتساءل عما إذا كانت بعض الملفات تخفي وراءها معطيات أعمق تستوجب البحث والتدقيق وعدم الاكتفاء بالمظاهر الأولى للواقعة.

البلاغ الصادر بشأن فتح الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بمراكش بحثا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة المختصة، لتحديد الأفعال الإجرامية المنسوبة لضابط شرطة يعمل بمنطقة أمن المحاميد، أعاد إلى الواجهة نقاشا حساسا يتعلق بحدود محاربة الفساد، و ضرورة التمييز بين الموظف المتورط فعلا، وبين احتمال وجود عمليات استدراج ممنهجة تستهدف بعض موظفي الأمن للإيقاع بهم.

فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن الضابط تم ضبطه متلبسا بحيازة مبلغ مالي تسلمه من شخص كان طرفا في قضية زجرية، وهو ما يجعل الملف من الناحية القانونية خاضعا لمساطر البحث القضائي العادي، غير أن الرأي العام، و معه العديد من المتتبعين، يطرحون أسئلة مشروعة لا تقل أهمية عن واقعة التوقيف نفسها، هل تم البحث بشكل معمق في طبيعة العلاقة التي كانت تجمع الضابط بالشخص المشتكي؟ وهل جرى فحص هاتف الطرفين لمعرفة عدد الاتصالات واللقاءات التي تمت بينهما؟ وهل كانت هناك اتصالات متكررة أو محاولات استدراج سابقة؟ ثم هل تم التوسع في البحث لمعرفة ما إذا كان الضابط موضوع انتقام أو تصفية حسابات بسبب مواقف مهنية سابقة أو بسبب رفضه الانخراط في ممارسات معينة داخل محيطه المهني؟

إن الاكتفاء بضبط مبلغ مالي، مهما كانت دلالته القانونية، لا ينبغي أن يحجب ضرورة الغوص في الخلفيات الحقيقية للقضية، المؤسسات الأمنية اليوم تواجه تحديات متعددة، ليس فقط في مواجهة الجريمة، بل أيضا في مواجهة محاولات اختراقها وضرب مصداقيتها، ومن هنا تبرز أهمية البحث الموازي في فرضية وجود جهات تستدرج بعض رجال الأمن للإيقاع بهم، سواء بدافع الانتقام، أو تصفية الحسابات، أو خدمة أجندات تستهدف صورة المؤسسة الأمنية.

ولا يمكن إغفال أن رجل الأمن أصبح في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف داخل منظومة معقدة تتداخل فيها المصالح والضغوط والتوازنات، فبين تعليمات النيابة العامة، وضغط الملفات الزجرية، والخوف من الوقوع في الخطأ المهني، يجد بعض الموظفين أنفسهم في وضع هش يجعلهم عرضة للاستهداف أو الاستغلال.

ومن هذا المنطلق، فإن محاربة الفساد لا يجب أن تقتصر فقط على توقيف موظف أو إصدار بلاغ رسمي، بل ينبغي أن تشمل فتح تحقيقات شاملة ودقيقة حول كل الملابسات المحيطة بالقضية، بما فيها مراجعة الملفات التي كان الضابط يشرف عليها، والبحث في الأشخاص الذين كانوا على تماس مباشر معه، وكشف ما إذا كانت هناك شبكات أو وسطاء أو شركاء محتملون.

كما أن المرحلة الحالية تفرض، أكثر من أي وقت مضى، توسيع دائرة الرقابة المؤسساتية وعدم حصرها في جهاز الأمن الوطني وحده، لأن محاربة الفساد يجب أن تكون شاملة وتمس مختلف المؤسسات العمومية دون استثناء، وعلى رأسها قطاع العدالة الذي يشكل حجر الزاوية في بناء الثقة داخل الدولة.

وفي هذا السياق، يبرز دور مصالح الاستعلامات العامة كآلية أساسية للرصد والتقييم ورفع التقارير، إذ بات من الضروري التفكير في إصدار مذكرات داخلية تدعو إلى تتبع مظاهر الفساد داخل الإدارات العمومية، وإعداد تقارير موضوعية حول الاختلالات المحتملة، مع تفعيل آليات المراقبة والتتبع، بما فيها مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة داخل المحاكم والإدارات الحساسة، خاصة بمحاكم الدار البيضاء الكبرى و باقي محاكم المملكة، لضمان الشفافية وحماية جميع الأطراف.

إن دولة المؤسسات لا تبنى فقط بالعقوبات، بل أيضا بضمان العدالة الكاملة في البحث والتحقيق، وحماية الأبرياء، وكشف كل الأطراف المتورطة مهما كانت مواقعها.

أسي المدير العام ومن معه، حين يشعر رجل الأمن بأنه محمي بالقانون كما يحاسب بالقانون، تصبح المؤسسة أكثر قوة ومناعة، أما إذا تحولت بعض الملفات إلى مجرد وسيلة للإطاحة السريعة بموظفين دون تفكيك السياق الكامل للقضية، فإن الخطر لا يهدد الأفراد فقط، بل يمتد إلى صورة المؤسسات وثقة المواطنين فيها، ليبقى الرهان الحقيقي اليوم هو تحقيق التوازن بين الحزم في مواجهة الفساد، وبين الحرص على عدم تحويل موظفي الدولة إلى أهداف سهلة في معارك خفية قد تكون أخطر من الجريمة نفسها.

عاش الملك عاش عاش عاش

قد يعجبك ايضا
Loading...