حين تتحول مصلحة المحامي إلى شرط لوجود مصلحة المتقاضي

الأخبار المغربية

المغرب أولا – مصلحة المحامي ليست نقيضا لمصلحة المتقاضي هذه الجملة التي تتردد اليوم في بيانات المحامين وتحملها الأقلام المدافعة عن المهنة تبدو في ظاهرها بديهية وفي باطنها إقرارا خطيرا بأن العدالة أصبحت رهينة توازن هش بين طرفين لا يجب أن يكونا خصمين لا أحد ينكر أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة وأن انهيار مكاتب وتآكل المداخيل وتهديد الاستقرار المهني يمس هيبة الدفاع، ولا أحد ينكر أن التنظيم الذاتي للمحاماة وحصانة المرافعة و الاستقلال عن السلطة التنفيذية هي ضمانات دستورية قبل أن تكون امتيازات نقابية، متى أصبحت حماية هذه الضمانات تمر حتما عبر تعطيل حق المواطن في التقاضي؟ لا يمكن أن نقبل منطق المقايضة الذي يقول إما محام قوي أو متقاض ضائع، لأن المحاماة وجدت أصلا من أجل المتقاضي لا العكس، المحامي ليس آلة لإنتاج المقالات والمذكرات صحيح، لكنه أيضا ليس قديسا فوق القانون هو حامل رسالة إنسانية وكونية، لكن هذه الرسالة تقاس بمدى قدرتها على الوصول بصاحب الحق إلى حكمه في الآجال القانونية لا بمدى قدرتها على شل المحاكم حتى تتحقق مطالب فئوية.

الحديث عن التوازن داخل الخصومة بين المتهم وسلطة الاتهام وبين الضعيف و صاحب النفوذ كلام جميل و مؤس، لكن أي توازن يتحقق عندما تغلق القاعات وتؤجل الجلسات بالجملة وتصدر أحكام غيابية في غياب الدفاع ويضيع أجل الاستئناف وتسقط الدعوى بالتقادم، في هذه اللحظة لا يتضرر النظام القضائي ككل بل يتضرر المواطن الذي دفع الأتعاب ووثق وانتظر من يحميه، المسؤولية المهنية هنا لا تسقط بحجة أن الجمعية قررت الإضراب، المحامي الذي استخلص أتعابه كاملة ولم يخبر موكله بخطورة التأجيل ولم يسلك مسطرة النيابة المؤقتة في الملفات الاستعجالية يكون قد أخل بالتزامه العقدي قبل أن يخل بالتزامه النقابي.

من يضع مصلحة المتقاضي في مواجهة مصلحة المحامي يرتكب خطأ في التشخيص، لكن من يضع مصلحة المحامي كشرط مسبق لعودة مصلحة المتقاضي يرتكب خطأ أخطر، لأن النتيجة العملية واحدة المواطن يدفع الثمن، الحكومة تتحمل المسؤولية الأولى عن استمرارية المرفق القضائي وعن فشلها في إدارة حوار جاد حول تعديلات تمس جوهر الحق في الدفاع، لكن هذا لا يعفي الهيئات من مسؤوليتها الأخلاقية في ابتكار آليات تحمي المهنة دون أن تهدم المعبد على رؤوس الناس، أين هي النيابة المؤقتة في الملفات الجنائية الاستعجالية وأين هي خلايا الاستمرار في قضايا الأسرة و الحوادث والطرد وأين هو الحد الأدنى من الخدمة الذي يضمن ألا ينهار بيت المتقاضي بينما نحن نتحاور حول استقلال التنظيم الذاتي.

المعركة فعلا معركة تكسير عظام لكن ليست بين المحامين والدولة فقط، إنها معركة بين تصورين للمهنة، تصور يرى المحاماة مؤسسة مركزية داخل صرح العدالة و يعتبر أن أي مساس بها هو مساس بالمحاكمة العادلة وهذا صحيح، وتصور ثان يرى المحاماة خدمة عمومية مرتبطة بمصير الناس اليومي ولا يمكن أن تتوقف حتى ولو توقفت كل القطاعات الأخرى، بين التصورين ضاع المواطن،

لا مصلحة للمتقاضي دون محام قوي مستقل ومحصن هذه قاعدة ذهبية، لكن لا معنى أيضا لمحام قوي في سوق فارغ من المتقاضين الذين فروا من القضاء إلى الوساطة أو إلى الصلح أو إلى اليأس، لا دولة قانون دون محاماة حرة منيعة، لكن لا دولة قانون أيضا دون عدالة لا تتوقف، حين ندافع عن المحاماة يجب أن ندافع عن حق كل مواطن في دفاع جدير بهذا الاسم وفي نفس الوقت يجب أن ندافع عن حق نفس المواطن في أن يجد باب المحكمة مفتوحا و أن يجد من يترافع عنه حتى في أيام الغضب، لأن العدالة في أسمى تجلياتها ليست شعارا نرفعه في البيانات بل جلسة تنعقد وملف ينظر فيه وحكم يصدر وينفذ، وما دون ذلك مجرد خطابات ترفع الاستقلالية عنوانا وتضع المواطن فاتورة.

تصبحون على تغيير

قد يعجبك ايضا
Loading...