الأخبار المغربية
في خطوة غير مسبوقة منذ افتتاحه، زار وفد رفيع من البعثة الأمريكية بالمغرب معبر الكركرات الحدودي، الشريان البري الوحيد الرابط بين المغرب وموريتانيا وعمق إفريقيا جنوب الصحراء، في تأكيد واضح على التزام واشنطن المشترك مع الرباط بالأمن الإقليمي وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية العريقة حسب بلاغ البعثة الأمريكية و تكتسي الزيارة رمزية تاريخية وسياسية كبيرة، فمعبر الكركرات ليس مجرد بوابة حدودية، بل نقطة ارتكاز للأمن والاستقرار في الصحراء المغربية، وممر حيوي للتجارة البينية الإفريقية ومحور لمواجهة التحديات العابرة للحدود وخلال الزيارة الأولى من نوعها التقى ممثلو البعثة الأمريكية بنظرائهم المغاربة من القوات المسلحة الملكية و الدرك الملكي والجمارك للوقوف ميدانيا على آليات مراقبة الحدود وبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في ثلاث جبهات ساخنة، تأمين الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر و تهريب المخدرات، وتحسين التنسيق العملياتي بين مختلف الجهات المعنية في الأقاليم الجنوبية للمملكة وهذه الزيارة تعيد للأذهان العمق التاريخي للعلاقات المغربية الأمريكية، أقدم علاقة دبلوماسية متواصلة للولايات المتحدة في العالم، فمنذ معاهدة الصداقة والملاحة لسنة 1787 وقعها السلطان سيدي محمد بن عبد الله، كان المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة، وظل عبر القرون شريكا موثوقا لواشنطن في شمال إفريقيا والساحل وما زيارة الكركرات اليوم إلا حلقة جديدة في سلسلة دعم أمريكي متواصل للمغرب، فمن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في دجنبر 2020 إلى المناورات العسكرية المشتركة “الأسد الإفريقي” التي صارت الأضخم في القارة، ومن التعاون الاستخباراتي إلى الاستثمارات في البنيات التحتية، ظلت واشنطن تجد في الرباط حليفا راسخا للأمن والاستقرار بالمنطقة ويؤكد مراقبون أن وصول الوفد الأمريكي للكركرات يحمل رسالتين، الأولى داخلية بأن الولايات المتحدة تراقب عن قرب جهود المغرب في تأمين صحرائه ومحاربة شبكات التهريب التي تهدد الأمن القومي للبلدين، والثانية إقليمية بأن الشراكة المغربية الأمريكية انتقلت من قاعات الاجتماعات إلى الميدان، من الرباط إلى أقصى نقطة حدودية جنوبا، حيث تتلاقى مصالح البلدين في محاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتحقيق التنمية المستدامة.
فالمغرب الذي ظل عبر تاريخه يجد في الولايات المتحدة داعما قويا لخياراته السيادية و وحدته الترابية، يواصل اليوم عبر معبر الكركرات تأكيد دوره كحارس لبوابة إفريقيا الغربية، بينما ترد واشنطن الزيارة بزيارة ميدانية تؤكد أن دعمها لم يتوقف عند البيانات الدبلوماسية بل نزل إلى الأرض، إلى النقطة الصفر حيث يبدأ الأمن أو يبدأ التهديد ومع توالي الزيارات وتعمق التنسيق يبدو أن معبر الكركرات سيتحول من مجرد معبر إلى نموذج للتعاون الحدودي الذكي بين حليفين تاريخيين، يواجهان معا تحديات القرن 21 من الإرهاب إلى تهريب البشر و المخدرات، في صحراء أثبت المغرب عبر عقود أنه الضامن الأكبر لاستقرارها.
عبدالمجيد مصلح