الدار البيضاء الكبرى…“شرطة النجدة” تؤمن أنفا-المعاريف بسرعة البرق وأحياء الفداء/عين الشق/ابن امسيك/الحي الحسني/عين السبع/مولاي رشيد/البرنوصي/المحمدية/تيط مليل خارج خريطة الحماية الأمنية الحديثة

الأخبار المغربية/ عبدالمجيد مصلح

المملكة – في الوقت الذي تحتفل فيه المديرية العامة للأمن الوطني بالذكرى السبعين لتأسيسها، اختارت ولاية أمن الدارالبيضاء الكبرى أن تعلن عن إحداث “الوحدة المتنقلة لشرطة النجدة” باعتبارها جيلا جديدا من التدخلات الأمنية السريعة، يعتمد على دوريات متحركة تعمل على مدار الساعة، مدعومة بدراجات نارية ومركبات للتدخل الفوري، ومرتبطة بشكل مباشر بالمركز الرئيسي للقيادة والتنسيق.

بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني، يحمل في ظاهره الكثير من مؤشرات التحديث و العصرنة، ويعكس توجها واضحا نحو تطوير الأداء الأمني داخل العاصمة الاقتصادية، خصوصا في ظل التحديات الأمنية التي تفرضها مدينة بحجم الدارالبيضاء الكبرى، بتعدادها السكاني الضخم، وتشعبها العمراني، و ضغطها الاجتماعي والاقتصادي المتزايد.

و بعيدا عن لغة المزايدات أو الانتقاد المجاني، هل ستصل هذه الخدمة الأمنية الجديدة إلى جميع أحياء الدارالبيضاء بنفس الدرجة من الجاهزية و الفعالية؟ أم أن الأمر يتعلق، في مرحلته الأولى على الأقل، بتجربة ستظل محصورة داخل المجال الترابي لعمالة أنفا/المعاريف؟ المعطيات المتداولة داخل الأوساط المهنية تشير إلى أن الفرقة الجديدة ستتحرك أساسا داخل الشريط الحضري الذي يشمل أنفا/المعاريف مع اعتماد آليات التتبع عبر الكاميرات الذكية المثبتة بهذين النفوذين الترابيين، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول العدالة المجالية في توزيع الخدمات الأمنية داخل مدينة تعيش تفاوتات صارخة على مستويات متعددة، من البنيات التحتية إلى الخدمات العمومية.

فإذا كانت أحياء أنفا/المعاريف تستحق، دون شك، تعزيزا أمنيا متطورا، فإن أحياء أخرى داخل الدارالبيضاء الكبرى، تبدو اليوم أكثر حاجة إلى تدخلات أمنية مستعجلة، بالنظر إلى ما تعرفه من مظاهر انفلات متكررة، سواء خلال الاحتفالات الكروية أو بفعل تنامي بعض السلوكيات الإجرامية المعزولة.

مناطق مثل مولاي رشيد، البرنوصي، سيدي مومن، أناسي، ابن امسيك، الحي الحسني، عين الشق، الحي المحمدي، الفداء، تيط مليل، و حتى المحمدية، أصبحت تعيش ضغطا أمنيا متزايدا، خصوصا مع كل احتفال كروي يتحول أحيانا إلى حالة من الفوضى و قطع الطرقات وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة، في مشاهد تطرح تساؤلات حقيقية حول جاهزية التدخلات الميدانية وسرعة الاستجابة.

كما أن عددا من المواطنين باتوا يشتكون من مظاهر أخرى مرتبطة بالإحساس بعدم الأمان داخل بعض الأحياء الشعبية، سواء بسبب انتشار بعض أشكال الجريمة أو بسبب التحولات الاجتماعية المعقدة التي تعرفها المدينة، وهو ما يجعل مطلب تعميم نموذج “شرطة النجدة المتنقلة” على مختلف العمالات مطلبا مشروعا أكثر من أي وقت مضى.

وفي مقابل هذا الورش الأمني الجديد، لا يمكن تجاهل المجهودات الكبيرة التي قامت بها المديرية العامة للأمن الوطني، خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى رقمنة الخدمات، أو تحديث أسطول التدخل، أو تطوير بنيات الاستقبال، أو الرفع من جودة التكوين، وهي خطوات جعلت المؤسسة الأمنية المغربية تحظى بإشادة واسعة داخل المغرب وخارجه.

لكن، ورغم هذه الدينامية الإيجابية، ما تزال بعض المناطق الأمنية بالعاصمة الاقتصادية تعيش أوضاعا لا تواكب صورة “الأمن الحديث” الذي تسعى المؤسسة إلى تكريسه، كمثال، منطقة ابن امسيك، ما تزال تعاني من إشكالات مرتبطة بالبنيات التحتية الأمنية، سواء من حيث بعد بعض الدوائر الأمنية عن المواطنين، أو من حيث ظروف الاستقبال والعمل داخل مقرات لا ترقى أحيانا إلى الحد الأدنى المطلوب، ولا تزال الساكنة تنتظر افتتاح الدائرة الأمنية الجديدة لتعويض خصاص طال أمده، كما ينتظر الموظفون والمرتفقون على حد سواء إخراج مشاريع أمنية حديثة إلى حيز الوجود، بدل استمرار العمل داخل فضاءات تم تحويلها من منازل سكنية إلى مقرات إدارية، في مشهد لا ينسجم مع صورة مؤسسة أمنية يفترض أن تجسد هيبة الدولة وتنظيمها.

الملاحظة نفسها تنطبق على بعض المرافق الأمنية بعين الشق والبرنوصي، حيث تبدو الحاجة ملحة إلى تشييد بنايات أمنية مستقلة، حديثة، و وظيفية، تراعي كرامة الموظف وتحسن ظروف استقبال المواطن، بدل الاكتفاء بحلول مؤقتة لم تعد تواكب حجم التحولات التي تعرفها المدينة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إطلاق فرق متنقلة أو تعزيز التدخلات الذكية، بل في ضمان شعور جميع المواطنين، بمختلف أحيائهم ومستوياتهم الاجتماعية، بأن الأمن خدمة عمومية متاحة للجميع بنفس الجودة والسرعة والفعالية.

فالدار البيضاء الكبرى، يا مسؤولين، ليست فقط أنفا/المعاريف كما أن الإحساس بالأمن لا يجب أن يتحول إلى امتياز جغرافي مرتبط بأحياء دون أخرى، وربما يكون أكبر نجاح يمكن أن تحققه التجربة الجديدة، هو أن تتحول من مشروع أمني محدود المجال إلى نموذج حضري شامل، يعيد الثقة للمواطن، ويحسن ظروف اشتغال رجال الأمن، ويؤكد أن تحديث المؤسسة الأمنية لا يقتصر على التكنولوجيا و المركبات، بل يشمل أيضا العدالة المجالية، وكرامة الموظف، وحق المواطن في الولوج إلى مرفق أمني حديث ومحترم، ذلك أن رجل الأمن الذي يشتغل في ظروف مهنية وإنسانية جيدة، داخل فضاء لائق، هو وحده القادر على تقديم خدمة أمنية في مستوى انتظارات المواطنين، داخل مدينة بحجم وتحديات الدارالبيضاء الكبرى.

عاش الملك عاش عاش عاش

قد يعجبك ايضا
Loading...