الأخبار المغربية
المغرب أولا – في الوقت الذي تستثمر فيه الدول في تحسين صورتها الدولية عبر الإعلام والعلاقات العامة، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة تستحق أن تفتح بكل مسؤولية، هناك أموال ترصد للتواصل الخارجي، وعقود تبرم مع مجلات ووكالات في باريس وبروكسيل للدفاع عن مصالح المملكة، لكن لا أحد يعرف حجمها الحقيقي، و لا معايير اختيار مستفيديها، ولا حصيلة نتائجها، هذا الغموض هو ما يحول ملفا مشروعا إلى ما يشبه الصندوق الأسود، حيث تغيب التقارير المنشورة وتغيب مؤشرات التقييم، ويصبح الإنفاق باسم المصلحة العامة بلا حساب معلن.
لقد كشفت قضية الصحافيين الفرنسيين إريك لوران و كاترين غراسييه، اللذين أدينا استئنافيا في باريس في أكتوبر 2025 بتهمة محاولة ابتزاز المغرب، عن الوجه الخطير لسوق الابتزاز الإعلامي الذي يستهدف الدول، مواجهة هذا الابتزاز لا تكون بشراء الصمت أو بمكافأة المدح بمقابل سخي، بل باستراتيجية تواصلية واضحة تبنى على الحجة و الإقناع، فالتعاقد مع منبر أجنبي لنشر ملف إشهاري لا يعني شراء خطه التحريري، و الدليل أن نفس المنبر الذي ينشر ملفا مدفوعا عن الاستثمار في المغرب قد ينشر بعد أشهر غلافا مسيئا يضع الإرهاب فوق العلم الوطني، وهذا وحده يطرح سؤال النجاعة و المردودية، غير أن الوجه الأكثر إيلاما لهذا الملف لا يوجد في باريس، بل يوجد هنا في الداخل، في ما يسمى بالمغرب غير النافع، هناك حيث يجد المواطن البسيط الذي يدافع عن ثوابت بلاده بصدر عار وبدون مقابل نفسه وحيدا أمام الإجراءات و التكاليف وغياب التأطير. شهادة مواطن حاول على مدى سنة كاملة تنظيم وقفة سلمية و قانونية أمام السفارة الكندية بالرباط احتجاجا على الإساءات المتكررة للملك والمؤسسات الوطنية، تكشف حجم الخلل، هذا المواطن طرق أبواب جمعيات ترفع شعار الوطنية وتستفيد من الدعم العمومي ومن برامج المبادرة الوطنية، فكان الجواب موحدا بأن الأمر لا يعنيها، أو ليس لديها وقت، أو أن الدفاع عن الملك لا يدر نفعا.
قبل سنوات كان هذا الفاعل قادرا على جمع ثمانين إلى مائة شخص للخروج في وقفة، اليوم أصبح جمع عشرة أشخاص إنجازا، لم تتراجع الوطنية، بل تآكلت القدرة على التعبئة بسبب شعور الناس بأن المبادرة الفردية لا تجد سندا، وأن العمل الجمعوي تحول عند البعض إلى مكتب لاستقبال الدعم الموسمي يظهر في المناسبات ويختفي عند الحاجة.
إن قوة المغرب لا تقاس فقط بما ينشر عنه في الخارج، بل تقاس بثقة مواطنيه في الداخل وقدرتهم على المشاركة، والوطنية التي لا تكلف الدولة شيئا هي أغلى أنواع الوطنية، والمطلوب اليوم ليس وقف الاستثمار في الصورة الخارجية، بل إخضاعه للشفافية والتقييم، ونشر أهدافه ونتائجه، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي نفس الوقت وضع مساطر عادلة وشفافة لتأطير و مواكبة المبادرات المواطنة الجادة في الداخل، حتى لا يبقى المواطن الذي يدافع عن بلده مجرد متفرج على جهود لا يعرف كيف تدار، بينما يشعر بأن كرامته و قدرته على المبادرة تستحق على الأقل نفس الاهتمام الذي يحظى به مقال مدفوع في مجلة أجنبية.
عبدالمجيد مصلح صحافي مهني مدير نشر “الأخبار المغربية”