مقتل عميد الأمن الخاص للملك 14 سنة من الإشاعة و تيكتوك يعيد أسطورة “روبيو و البستاني القاتل”

الأخبار المغربية

الرباط – لم تكن ليلة 8 يوليوز 2011 ليلة عادية في حي حسان بالرباط، فعلى الساعة الحادية عشرة ليلا سقط العميد الممتاز سليم عبدالله السعيدي رحمه الله، المسؤول عن مصلحة الاستعلامات التابعة لمديرية الأمن الخاص للملك محمد السادس، مدرجا في دمائه داخل شقته بعد تبادل لإطلاق النار، لينقل في حالة حرجة إلى مستشفى ابن سينا حيث خضع لثلاث عمليات جراحية معقدة على مستوى البطن والكبد و القولون الأفقي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة الثلاثاء 12 يوليوز، و يشيع جثمانه بمقبرة الشهداء في جنازة رسمية حضرها كبار المسؤولين الأمنيين.

البلاغ الرسمي للمديرية العامة للأمن الوطني الذي صدر حينها كان واضحا و مباشرا (السعيدي تعرض لمحاولة سرقة من طرف شخصين داخل منزله فاضطر لاستعمال سلاحه الناري و أصاب أحد المعتدين بجروح قبل أن يتعرض هو الآخر لطلق ناري قاتل المعتدي المصاب تبين أنه من ذوي السوابق القضائية ونقل هو الآخر للمستشفى تحت حراسة مشددة ولم تسمح حالته الصحية باستجوابه فيما لاذ شريكه بالفرار و السلاح المحجوز هو سلاح العميد نفسه) لكن هذه الرواية التي نشرتها وكالة المغرب العربي للأنباء لم تقنع الجميع، لتفجر قنبلة أخرى مؤكدة أن المحققين أنفسهم أصبحوا يضعون فرضية السرقة كواحدة من فرضيات كثيرة وليست الوحيدة، و من بين الفرضيات التي تم تداولها بقوة فرضية شجار نشب بين العميد ومرافقين كانوا معه في جلسة داخل المنزل تطور إلى تبادل لإطلاق النار، وفرضية انتقام بسبب تقارير وصفت بـ”الكيدية” كان يرفعها السعيدي حول بعض العناصر الأمنية ما خلق له عداوات كثيرة في مساره المهني.

اليوم وبعد 14 سنة، عادت القضية لتتصدر المشهد مجددا لكن ليس عبر بوابة التحقيق القضائي، بل عبر بوابة “ريلز” و “تيكتوك” التي أعادت تدوير الملف بسيناريو هوليودي جديد (قاتل مأجور كان يعمل بستانيا في حديقة القصر الملكي تم تجنيده من طرف بارون مخدرات ملقب بـ”روبيو” انتقاما لحكم قضائي صدر ضده) وبالعودة إلى السجلات القضائية و الأمنية، فإن هذه الرواية لا تستند إلى أي وثيقة رسمية، فبارون المخدرات الملقب ب”روبيو” الذي تتحدث عنه مواقع التواصل الاجتماعي هو في الحقيقة بارون صحراوي له ارتباط بشبكات التهريب عبر الجدار الأمني، تم توقيفه في عملية عسكرية نواحي بوجدور ولا توجد أي إحالة قضائية تربط ملفه بملف مقتل العميد السعيدي، كما أنه لم يصدر أي حكم قضائي يثبت أن جريمة القتل كانت عملية تصفية مدبرة من داخل القصر.

الحقيقة التي يحاول البعض طمسها أن عائلة الفقيد نفسها عبرت في بلاغها عن ثقتها الكاملة في العدالة واعتبرت أن لها وحدها الكلمة الفصل في تحديد دواعي العمل الإجرامي، معبرة عن امتنانها للرعاية المولوية التي أحاطت بالفقيد خلال فترة علاجه و إعادة إحياء قضية السعيدي اليوم عبر خلط صور جنازته بصورة شاب ملثم بقبعة سوداء وتقديمه على أنه القاتل، هو تضليل خطير يمس بهيبة مؤسسة أمنية حساسة ويحول مأساة إنسانية إلى مادة للاسترزاق الرقمي، فالملف أغلق جنائيا على أنه جريمة قتل أثناء محاولة سرقة مع وجود فرضيات أخرى لم تؤكدها التحقيقات، ولم يكن يوما تصفية مافيوزية انتقامية كما يروج له تجار المشاهدات.

ونشرنا لهذا التوضيح في “الأخبار المغربية” ليس دفاعا عن رواية ضد أخرى، بل إسهاما في تنوير الرأي العام و صونا لذاكرة رجل أفنى زهاء عقدين من عمره في خدمة الوطن بتفان و انضباط، و قطعا للطريق أمام كل من يحاول تحويل مأساة إنسانية إلى مادة للاسترزاق الرقمي.

قد يعجبك ايضا
Loading...