باريس تحرق مدرستها بدل أن تصلحها “هكذا تحول التلميذ إلى عدو للجمهورية الفرنسية”

بقلم: أسماء ساق

هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى تحليل سياسي معقد، بل تحتاج فقط إلى أن تنظر إلى الصورة كما هي، صورة شرطي فرنسي يطلق الغاز المسيل للدموع داخل قسم دراسي، وصورة تلميذة في الخامسة عشرة تسحل على الأرض لأنها طالبت بأستاذ للغة الفرنسية، هذه الصور كافية لتسقط كل الخطب التي كانت باريس تلقيها علينا لعقود حول حقوق الإنسان.

كنا نسمع لسنوات أن فرنسا هي بلد الأنوار، وأن مدرستها العمومية هي نموذج للعدالة الاجتماعية، وأن المغرب يجب أن يتعلم منها كيف يحترم الحق في الاحتجاج، اليوم انقلبت الآية، فرنسا التي كانت توزع النقط في تقاريرها السنوية وتضع اسم المغرب في خانة الدول التي تقمع تلاميذها، وجدت نفسها تضع خمسة آلاف قاصر في مخافر الشرطة في أسبوع واحد، تسعون بالمئة منهم لم يبلغوا سن الرشد بعد.

القصة لم تبدأ في الشانزليزيه، بل بدأت في ثانوية Le Corbusier في ضاحية Aubervilliers الفقيرة، حيث قالت تلميذة بكل بساطة، “اجتزت الباك في الفرنسية بدون أستاذ فرنسية” هذه الجملة لو قيلت في المغرب لقامت الدنيا ولم تقعد في الصحافة الفرنسية، لكنها عندما قيلت في قلب باريس كان جواب الجمهورية هو إرسال قوات مكافحة الشغب.

الخطير في الأمر ليس هو الاحتجاج، فالاحتجاج حق مشروع، الخطير هو تحول التلميذ إلى عدو للدولة. عندما تعجز وزارة التربية عن توفير مقعد لائق وقسم غير مكتظ وتجد الميزانية لتعبئة آلاف رجال الأمن ومئات القنابل المسيلة للدموع، فنحن أمام إفلاس أخلاقي قبل أن يكون إفلاسا تربويا، و الجميل في المشهد، رغم قسوته، هو أن هؤلاء التلاميذ لقنوا فرنسا الرسمية درسا في المواطنة، لم يطالبوا بزيادة في الأجور ولم يحرقوا المتاجر من أجل هاتف جديد، طالبوا فقط بمدرسة تحترم آدميتهم، هذا الوعي المبكر هو أجمل ما في هذه الانتفاضة، وهو ما يفسر خوف الحكومة الفرنسية منها، أما الرائع فهو أن الحقيقة ظهرت عارية بدون مساحيق، منظمات كانت تتباكى على احتجاجات هنا و هناك صمتت لأيام أمام قمع أطفال داخل مدارسهم، ووزير داخلية يتحدث عن مناخ عنف غير مقبول وهو يأمر بتوقيف 1747 قاصرا في يوم واحد، ووزير عدل يهدد آباء فقراء بأداء تكاليف إصلاح جدران كتب عليها أبناؤهم، “نريد أن نتعلم” اليوم سقط القناع، فرنسا لم تعد قادرة على إعطاء الدروس، لأنها ببساطة رسبت في أول درس، “كيف تحمي تلميذا بدل أن تضربه”.

قد يعجبك ايضا
Loading...